Contact

mail@gemini-theme.com
+ 001 0231 123 32

Follow

Info

All demo content is for sample purposes only, intended to represent a live site. Please use the RocketLauncher to install an equivalent of the demo, all images will be replaced with sample images.

اسبوع الآلام

 

samedisaint

سبت النور

 

الرسالة:

(رو 5: 1 – 11)

فلَمَّا بُرِّرْنا بِالإِيمان حَصَلْنا على السَّلامِ مع اللهِ بِرَبِّنا يسوعَ المَسيح،وبِه أيضًا بَلَغْنا بِالإِيمانِ إِلى هذِه النِّعمَةِ الَّتي فها نَحنُ قائِمون، وَنَفْتَخِرُ بِالَّرجاءِ لِمَجْدِ الله، لا بل نَفتَخِرُ بِشَدائِدِنا نَفْسِها لِعِلمِنا أَنَّ الشِّدَّةَ تَلِدُ الثَّباتَوالثَّباتَ يَلِدُ فَضيلةَ الاِختِبار وفَضيلةَ الاِختِبارِ تَلِدُالرَّجاء والرَّجاءَ لا يُخَيِّبُ صاحِبَه،َ لأَنَّ مَحَبَّةَ اللّه أُفيضَت في قُلوبِنا بِالرُّوحَ القُدُسِ الَّذي وُهِبَ لَنا.لَمَّا كُنَّا لاَ نَزالُ ضُعَفاء، ماتَ المسيحُ في الوَقْتِ المُحدَّدِ مِن أَجْلِ قَوْمٍ كافِرين،ولا يَكادُ يَموتُ أَحَدٌ مِن أَجْلِ امرِئٍ بارّ، ورُبَّما جَرُؤَ أَحَدٌ أَن يَموتَ مِن أَجْلِ امرِئٍ صالِح. أَمَّا اللهُ فقَد دَلَّ على مَحبتِّهِ لَنا بِأَنَّ المسيحَ قد ماتَ مِن أَجْلِنا إِذ كُنًَّا خاطِئينفما أَحرانا اليَوم، وقَد بُرِّرنا بِدَمِه، أَن نَنجُوَ بِه مِنَ الغَضَبفإِن صالَحَنا اللهُ بِمَوتِ َابِنه ونَحنُ أَعداؤُه، فما أَحرانا أَن نَنجُوَ بِحَياتِه ونَحنُ مُصالَحونلا بَل إِنَّنا نَفتَخِرُ بِالله، بِرَبِّنا يسوعَ المسيحِ الَّذي بِه نِلْنا الآنَ المُصالَحة

 

 

الانجيل:

(مت 27: 62 – 66)

وفي الغَدِ، أَي بعدَ يَومِ التَّهِيْئَةِ لِلسَّبْت، ذهبَ عُظماءُ الكَهَنَةِ و الفِرِّيسيُّونَ معاً إِلى بيلاطُسوقالوا له: يا سَيِّد، تَذَكَّرْنا أَنَّ ذاكَ المُضَلِّلَ قالَ إِذ كانَ حيّاً: سَأَقومُ بعدَ ثلاثَةِ أَيَّامفَمُرْ بِأَن يُحفَظَ القَبرُ إِلى اليَومِ الثَّالث، لِئَلاَّ يَأتيَ تَلاميذُه فيَسرِقوه ويقولوا لِلشَّعْب: قامَ مِن بَينِ الأَموات، فيَكونَ التَّضليلُ الآخِرُ أَسوَأَ مِن الأَوَّل.فقالَ لَهم بيلاطُس: ((عِندَكُم حَرَس، فاذهبوا واحفَظوه كما تَرَون  فَذَهبوا وحَفِظوا القَبر، فخَتموا الحَجَرَ وأَقاموا علَيه حَرَساً.



 

اسبوع الآلام

 

vendredisaint

الجمعة العظيمة

 

الرسالة:

(عب 12: 1221)

قَوّوا الأيديَ المُستَرخية، والرُكَبَ الواهِنة، واجعَلوا لأقدامِكُم سُبُلاً قَويمة، لئلاّ يَزيغَ العُضوُ الأعرَجُ عَن السَبيلْ، بَلْ بالحَريَّ أن يُشفى. أُطلُبوا السَّلامَ مَعَ جَميعِ النّاس، والقَداسَةَ التي لَنْ يُعايِنَ الرَبَّ أحَدٌ بِدونِها. تَيَقَّظوا لئلاّ يَتَخَلَّفَ أحَدٌ عَن نِعمَة الله، ولِئلاّ يَنبُتَ عِرقُ مَرارَةٍ يُزعِج فَيُفسَدُ بِهِ الكَثيرين، ولِئلاّ يَكونَ أحَدٌ فاجِراً أو مُدَنَّسًا مِثلَ عيسو، الذي باعَ بِكِرِّيَتَهُ بأكلَةٍ واحِدة، فَأنتُم تَعلَمونَ أنَّهُ بَعدَ ذَلِكَ، أرادَ أن يَرِثَ البَرَكَةَ فَرُذِل، لأنَّهُ لضم يَجِد سَبيلاً إلى تَغييرِ رأيِ أبيه، مَعَ أنَّهُ التَمَسَ ذَلِك بالدُّموع. فإنَّكُم لَم تَقتَرِبوا إلى جَبَلٍ مَلموس، ونارٍ مُتَّقِدة، وضَبابٍ وظَلامٍ وزَوبَعَة، وهُتافِ بوق، وصَوتِ كَلِماتٍ طَلَبَ الذينَ سَمِعوها ألاّ يُزادوا مِنها كَلِمَة؛ لأنَّهُم لَم يُطيقوا تَحَمُّلَ هذا الأمر: "ولَو أنَّ بَهيمَةً مَسَّتْ الجَبَلَ تُرجَم!". وكانَ المَنظَرُ رَهيبًا حتى إنَّ موسى قال: "إنّي خائفٌ ومُرتَعِد!".

 

 

الانجيل:

(يو 19 : 31-37)

فَلَمَّا أَخَذَ يَسُوعُ الْخَلَّ قَالَ: «قَدْ أُكْمِلَ». وَنَكَّسَ رَأْسَهُ وَأَسْلَمَ الرُّوحَثُمَّ إِذْ كَانَ اسْتِعْدَادٌ، فَلِكَيْ لاَ تَبْقَى الأَجْسَادُ عَلَى الصَّلِيبِ فِي السَّبْتِ، لأَنَّ يَوْمَ ذلِكَ السَّبْتِ كَانَ عَظِيمًا، سَأَلَ الْيَهُودُ بِيلاَطُسَ أَنْ تُكْسَرَ سِيقَانُهُمْ وَيُرْفَعُوافَأَتَى الْعَسْكَرُ وَكَسَرُوا سَاقَيِ الأَوَّلِ وَالآخَرِ الْمَصْلُوبِ مَعَهُوَأَمَّا يَسُوعُ فَلَمَّا جَاءُوا إِلَيْهِ لَمْ يَكْسِرُوا سَاقَيْهِ، لأَنَّهُمْ رَأَوْهُ قَدْ مَاتَلكِنَّ وَاحِدًا مِنَ الْعَسْكَرِ طَعَنَ جَنْبَهُ بِحَرْبَةٍ، وَلِلْوَقْتِ خَرَجَ دَمٌ وَمَاءٌوَالَّذِي عَايَنَ شَهِدَ، وَشَهَادَتُهُ حَقٌ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ لِتُؤْمِنُوا أَنْتُمْلأَنَّ هذَا كَانَ لِيَتِمَّ الْكِتَابُ الْقَائِلُ: «عَظْمٌ لاَ يُكْسَرُ مِنْهُ». وَأَيْضًا يَقُولُ كِتَابٌ آخَرُ: «سَيَنْظُرُونَ إِلَى الَّذِي طَعَنُوهُ



 

تأمل في الانجيل:

تبارك ذاك المساء الّذي بدّل حقيقة وجودنا التافه، تباركت تلك الساعة السادسة التي قلبت مقاييس حياتنا وأنظمتها الكئيبة، تبارك ذاك المصلوب على خشبة، متألّماً، مشوّهاً، نازفاً وجريح القلب بحربة خطيئتنا
فوق تلك الجلجلة انفتحت أعيننا، وعرفنا كم هو ثمين ذاك الآدم الخاطيء الشريد المطرود، لقد نال الفداء بدم الحمل الأزلّي المذبوح. كلمة الله التي خرجت من فم الله وحضنه منذ الأزل، كلمة الله الخالقة والمحيّية، هي اليوم الكلمة المذبوحة المتألّمة الفاديّة. لقد أخذ الله صورتنا ليجدّد صورته فينا. صورة المسيح المشوّه، المثخن جراحاً، المتألّم والمعذّب هي صورة إنساننا نحن، إنساننا الرازح تحت الخطيئة، أدمته أشواك المعصيّة، فقد جمال البنوّة الإلهيّة، وصار قلبه نازفاً، لاهثاّ وراء حبّ لا يحصل عليه، وراكضاً إثر خلاص لا يجده
لقد أخذ المسيح صورتنا هذه ليعطينا من جديد صورة أبناء الله، مات ليعطينا الحياة، فتح قلبه ليهبنا الحبّ كاملاً، طاهراً، مجانّياً وفادياً. لقد أخذ موتنا ليعطينا حياته
صرخ صرخة عظيمة وأسلم الرّوح: هو الصامت دوماً، أمام القضاء لم يفتح فاه، لم يصرخ تحت وقع السوط يجرح جسمه الطاهر، لم يصرح لحظة عرز المسامير في يديه الخالقتين، لم يصرخ عندما كُللت هامته بالشوك أو ضُربَ على رأسه بقصبة، لقد صرخ حين أسلم الروح
هي أعمق صرخة يطلقها وجودنا البشريّ حين لا يجد جواباً على السؤال الأكثر حلوكاً يطرحه كلّ يوم: "لماذا الموت وماذا بعد الموت؟" لقد حمل الرّب صرختنا هذه وقدّمها الى أبيه مع رفع يديه في أعظم تقدمة من تقادم المساء. لقد أعطانا المسيح الجواب بموته، لم يقدّم نظريّات تقنع ربّما إنّما لا تعطي القلب طمأنينته المنشودة، بل قدّم ذاته مائتاً ليقول لنا أن الموت ليس نهاية لكلِّ شيء، فما هو إلاّ البداية، هو الدخول في علاقة حبّ لا تنتهي ولا ترتوي، تستمر أبديّة متجدّدة في معاينة وجه الله والعيش معه في البيت الوالديّ
إنّما هي أيضاً صرخة من لا صوت لهم، من يمنعهم بيلاطس المعاصر وقياّفا العالم الحديث من إيصال صوتهم: إنّهم ملايين البشر يموتون كلّ يومٍ جوعاً وظلماً وبسبب الحروب، إنّها صرخة الأمّهات اللواتي ترَين إبنائهنّ يموتون بين إيديهنّ، إنّها صرخة المتألّمين من جور الإضطهاد والتمييز والتفرقة، إنّها صرخة المظلوم يأكل الأقوياء حقّه، إنّها صرخة الوالد لا يقدر أن يسدّ رمق أبنائه، إنّه صراخ الإنسان التي يمتهن البشر كرامته وجسده وقيمته، يُستعمل سلعة لإرواء شهوة، ويُرمى. هي كلّها صرخات احتضنتها صرخة المسيح ذاك المساء
صرخة المسيح هي صرخة التغيير، صرخة تدعو إنسانيّتنا الى العودة الى ذاتها، صرخة يوحنا يدعو الشعب للتوبة قد بلغت ملأها بصرخة يسوع يدعونا للعودة عبر موته الى صداقتنا مع الله. فلا نتركنّ موت المسيح عقيماً، لنجعل من جرح قلبه بوابة عبور الى الله أبينا، نعود مع يسوع الى تلك الصداقة، فيسوع قد مات لنضحي لله أبناء وأصدقاء
لقد علّمنا المسيح كيف نحوّل الألم من حالة يأس الى مصدر للخلاص. فالمسيح على الصليب "لا منظر له يُشتهى كما يقول إشعيا ، مزذرىً ومرذول من الناس، كرجل أوجاع يحوّلون وجههم عنه، من يراه يخفي وجهه لكي لا يراه. إنّها خطيئة الإنسان لا رغبة الله، فالله لا يريد الألم، وهو المحبّة المطلقة، هي خطيئة كلّ واحد منّا، خطيئة المعصية ورفض الله، خطيئة جعلتنا نتشوّه ونتألّم، جعلتنا نغرق في وحدتنا، نرغب شرّنا، نبتعد عن الله، وفي الإبتعاد عنه الألم والموت، دون الله نحيا في ظلمة وجود لا طعم له، يضحي كياننا جريحاً، نصير دون هدف ونفقد معنى الوجود. ولأن الخطيئة كانت ضدّ الله، وحده الله يقدر أن يسدّد ثمن عدالتها، الإنسان أخطأ والإنسان الإله سدّد. فوق الصليب دفع المسيح ثمن حريّتنا ومزّق صكّ عبوديّتنا، أعطانا الحريّة، ومع الحريّة أعطانا معنى جديداً للالم. ألم المسيح هو نفسه ألم المريض يعاني وحيداً في ظلام الليل، ويجد أيامه تقارب نهايتها. ألم المسيح هو نفسه ألم الأم تفقد وحيدها، ألم الأب يرى عائلته يخطفها ظلهم حرب وإرهاب، ألم المسيح هو الم الزوجة تفقد زوجها، ألم الأرملة واليتيم والشريد. ألم المسيح هو ألم الفقير لا يقدر أن يسد رمق أطفاله
ألم المسيح هو ألم الوالدين يرون أبنهم يضيع في متاهات حياة العبث والمخدّرات، وألم الفتاة تبيع جسدها لتحتمي من قسوة الحياة بقسوة من يشتريها أداة متعة. ألم المسيح هو ألم عالمنا اليوم تجرح جمالَه حروب كثيرة، يملأه الحقد والدم والموت
هو شرّ كلّه، شرّ لم تُعط له الكلمة الأخيرة، ولا النصر النهائي، فبالمسيح صار للألم معنى، كان شرّاً وشرّاّ يبقى، فالله لا يريد ألَمَنا، ولسنا مرضى لنفتّش عن الألم، إنّما نحن أبناء الرجاء، نؤمن بإله تألّم من أجلنا وانتصر على الألم، لم يبق معلّقاً على الصليب ولا ابتلعه الى الأبد ظلام القبر. لقد حوّل المسيح الألم من مصدر يأس وهلاك الى وسيلة قداسة وبطولة: لقد مات ليعطينا الحياة، حوّل الشرّ الى خير، أستخرج من الألم حياة، حوّل اليأس الى تضحية، حول آلة موت العبيد الى آداة تحرير للآخرين. فقط بالإيمان نفهم معنى ألمنا، وبالرجاء نقدر أن نغيّر اتّجاهه، وبالمحبّة نعطي الحياة للآخرين. فداء المسيح للبشريّة يعلّمني أن أصليّ للمرضى حين أكون مريضاً، وأقدّم آلامي للمعوزين. ألم يسوع يدعوني الى تحرير الآخرين من ألمهم، وإشراك المعوزين في خيراتي، وردّ الكرامة الى من أفقدهم المجتمع كرامتهم
الصليب هو فعل طاعة للآب، فالمسيح الّذي قال: "طعامي أن أعمل مشيئة أبي" قد أطاع حتى النهاية هذه المشيئة، "لتكن مشيئتك لا مشيئتي" صرخت بشريّته في بستان الزيتون ليعلّمنا أن نثق بالآب، ونعلم أنّه يحضر الأحسن والأفضل والأقدس لكلّ واحد منّا. يسوع المصلوب يعلّمنا أن نثق بالله حين نكون في قمة ألمنا. هذا ما فعله الربّ، وما فعله القدّيسون، وما يفعله اليوم إخوة لنا وأخوات، بدل ثورات الغضب يصلّون، وبدل اليأس يصبرون، ولأنّهم يحبّون، يعلمون أن لا يمكن للموت أن ينتصر
إن موت المسيح يعطي المعنى الحقيقيّ للموت، ولو لم يمت المسيح لما كان لنا أي رجاء. إلهنا إله يحبّ، ويتألّم لأنّه يحب، يشارك أحبّائه الألم، ويعلّمهم كيف يكون الموت بوابة عبور نحو الحياة. لقد وُضعت علي قبر المسيح صخرةٌ كبيرة، وكم من صخور تحجب بصيص الأمل عن قلوبنا؟ كم هي ثقيلة صخور مشاكلنا وأمراضنا؟ نرزح تحتها ونقول: "ها هي النهاية، وما من خلاص". لقد سدّت الصخرة باب القبر، وحاولت التهام الحيّ والمحيّي فكان كخميرة يزرع الحياة في عالم الموت. حاول القساة إخماد نور المسيح، كما يخمد منطق العالم كلّ بصيص رجاء في قلوبنا، يضعنا في قبرٍ مظلم، يقيّدنا برغبات وأهواء وأحقاد تشدّنا الى منطق الظلام، الى منطق القبر والموت، وتحجب عن تفكيرنا حقيقة الحياة ومعناها. هل يبقى عالمنا في ظلمة قبره؟ هل يبقى المظلوم مظلوماً، والجنين مجهضاً والعجوز لا قيمة له؟ هل يبقى الفقير عالّة والمتألّم ثقلاً علينا؟ هل نُبقي إخوة لنا وأخوات في ظلام قبر حياتهم، نسدّ قبرهم بصخرة حقدنا أو عدم مبالاتنا، ندفنهم في عدم اكتراثتنا لئلا يزعجنا صراخهم؟ موت المسيح دعوة لنا للتفتيش عن قيمة الحياة، وإعلان ثقافة الحبّ والتخلّي عن منطق العنف، فالعنف قتل المسيح البريء على الجلجلة ويقتل ملايين الأبرياء على جلجلات عالم اليوم، فهل نكمل السير وكأنّ شيئاً لم يكن؟ هل نترك المسيح يموت مجدّداً كلّ يوم؟ هل نغسل أيدينا في دماء أبرار هذا العالم وأبريائه؟ هل نبيع المسيح بثلاثين فضّة إهمالنا؟ هل نكون مثل من أعمى الحقد قلوبهم فصرخوا إرفعه"، إرفعه عنّا، فهو كثير التطلّب وصعب الإتّباع؟ هل نقتل المسيح مجدّداً إذا جاء اليوم الى حياتنا؟ 
وتبقى مريم، الأمّ المتالّمة والمعلّمة في الإيمان، ترى وحيدها معلّقاً فتقف الى جانب التلميذ، هي الى جانبنا تعلّمنا معنى التتلمذ وحمل الصليب، تعلّمنا أن عمق الإيمان يتجلّى من خلال الصبر والرجاء والإتّكال على الله، من خلال قبول صلبان حياتنا لتحويل الى وسيلة قداسة. مريم هي الأمّ الحزينة وهي أمّ الرجاء، معلّمة في الإيمان، حزنت، بكيت، تألّمت فقدانها وحيدٍ احبّته وكان ثمرة وعود الله لها ولشعبها، حزنت ولم تغضب، بكيت ولم تيأس، تألمث وما ثارت أو رفضت الله في حياتنا. هي المعلّمة تقود التلميذ الى الرّب، وتبقى قربه عندما يحمل صليبه، كنجمة الصباح تقود سفينتا الى ميناء ابنها حين تضرب بحر حياتنا عواصف اليأس والألم.

زمن الآلام

 

jeudisaint

خميس الاسرار

 

الرسالة:

( 1 كور 11: 23-32)

أنا تَسَلَّمتُ مِنَ الرّبِّ ما سَلَّمتُهُ إلَيكُم، وهوَ انَّ الرّبَّ يسوع، في اللّيلةِ الّتي أُسلِمَ فيها، أخَذَ خُبزاً، وشَكَرَ وَكَسَرَ وقال: "هذا هوَ جَسَدي الّذي يُكسَرُ مِن أجلِكُم. إصنَعوا هذا لِذِكري". كَذَلِكَ بَعدَ العَشاء، أخَذَ الكأسَ أيضًا وقال: "هذه الكأسُ هي العَهدُ الجَديدُ بِدَمي. فَكُلَّما شَرِبتُم مِنها، إصنَعوا هذا لِذِكري". فَكُلَّما أكَلتُم هذا الخُبِز، وشَرِبتُم هذه الكأس، تُبَشِّرونَ بِمَوتِ الرَبِّ حتى مَجيئِهِ. إذاً فَمَن يأكُلُ خُبزَ الرَبِّ ويَشرَبُ كأسَهُ، بِدون استِحقاق، يَكونُ مُذنِبًا إلى جَسَدِ الرَبِّ وَدَمِهِ. فَلْيَمتَحِن كُلُّ إنسانٍ نَفسَهُ، ثُمَّ فَليأكُل مِن هذا الخُبز ويَشرَبْ مِن هذه الكأس. فَمَن ياكُلُ ويَشرَب، وهوَ لا يُمَيِّزُ جَسَدَ الرَبّ، يأكُلُ ويَشرَبُ دَيونَةً لِنَفسِهِ. ولِهذا السَبَبِ كَثُرَ بَينَكُم المَرضى والضُعَفاء، ورَقَدَ الكَثيرون. فَلَو كُنّا نُحاسِبُ أنفُسَنا لَما كُنّا نُدان. ولَكِنَّ الرَبَّ يَدينُنا ليُؤَدِبَنا، حتى لا نُدانَ مَعَ العالَم.

 

 

الانجيل:

(لو 22: 1-23)

كانَ عيدُ الفَطير الذي هوَ عيدُ الفُصحِ يَقتَرِبْ. وكانَ الأحبارُ والكَتَبَةُ يَبحَثونَ كيفَ يَقضونَ على يسوع، لأنَّهُم كانوا يَخافونَ مِنَ الشَعبْ. ودَخَلَ الشَيطانُ في يَهوذا المُلَقَّبِ بالإسخَريوطيّ، وهوَ مِن عِدادِ الإثنَي عَشَرْ، فَمَضى وفاوَضَ الأحبارَ وقادَةَ حَرَسِ الهَيكَلِ كَيفَ يُسلِمُ إلَيهِم يسوع. فَفَرِحوا، واتَّفَقوا أن يُعطوهُ فِضّة. فَقَبِلَ، ثُمَّ راحَ يَتَلَمَّسُ فُرصَةً مؤاتية، لِيُسلِمَهُ إلَيهِم بَعيداً عَن الجَمْع. وحَلَّ يَومُ الفَطير، الذي يَجِبُ أن يُذبَحَ حَمَلُ الفِصحِ فيهِ، فأرسَلَ يسوعُ بُطرُسَ ويوحنّا قائلاً: "إذهبا فأعِدّا لَنا عَشاءَ الفِصْحِ لِنأكُلَهُ". فَقالا لَهُ: "أينَ تُريدُ أن نُعِدَّهُ؟ ". فَقالَ لَهُما: "ما إن تَدخُلا المَدينَةَ حتّى يَلقاكُما رَجُلٌ يَحمِلُ جَرَّةَ ماء، فاتْبَعاهُ إلى البَيتِ الذي يَدخُلُهُ. وقولا لِرَبِّ البَيتْ: المُعَلِّمُ يَقولُ لَكَ: أينَ القاعَةُ الّتي آكُلُ فيها عَشاءَ الفِصحِ مَعَ تَلاميذي؟ وهوَ يُريكُما عِليَّةً كَبيرَةً مَفروشة، فأعِدّاهُ هُناك". فَذَهبا ووَجَدا كَما قالَ لَهُما، وأعَدّا عَشاءَ الفِصحْ. ولمّا حانَتْ السّاعة، اتَّكأَ يَسوعُ ومَعَهُ الرُّسُل، فَقالَ لَهُم: "شَهْوَةً اشْتَهَيتُ أن آكُلَه هذا الفِصْحَ مَعَكُمْ قَبلَ آلامي! فَإنّي أقولُ لَكُمْ: لَنْ آكُلَهُ بَعْدَ اليَومِ إلى أنْ يَتِمَّ في مَلَكوتِ الله". ثُمَّ أخَذَ كأسًا، وشَكَرَ، وقال: "خُذوا هذهِ الكأسَ واقْتَسِموها بَيْنَكُم، فإنّي أقولُ لَكُم: لَنْ أشرَبَ عَصيرَ الكَرمة، مُنذُ الآن، إلى أنْ يأتي مَلَكوتُ الله". ثُمَّ أخَذََ خُبزاً وشَكَرَ، وكَسَرَ، وناوَلَهُم قائلاً: "هذا هوَ جَسَدي الذي يُبذَلُ مِن أجلِكُم. إصنَعوا هذا لِذِكري". وكَذَلِكَ أخَذَ الكأسَ بَعدَ العَشاءِ وقالَ: "هذه الكأسُ هيَ العَهدُ الجَديدُ بِدَمي، الذي يُهرَقُ مِن أجلِكُم. ولَكِن، ها هيَ يَدُ الذي يُسلِمُني مَعي على المائدة. فابْنُ الإنسانِ ماضٍ كَما هوَ مُقَرَّر؛ إنَّما الوَيلُ لِذَلِكَ الإنسانِ الذي يُسلِمُهُ!". فابتَدأَ الرُسُلُ يَتَساءَلونَ فيما بَينَهُم: "مَن تُرى مِنهُم هوَ المُزمِعُ أن يَفعَلَ هذا؟ ".



 

تأمل في الانجيل:

مقدمة
"كما سبق وقلت في رسالتي Ecclesia de Eucharistia (الكنيسة تحيا من الإفخارستيا). مهم جداً أن لا يهمل إيُ بعدٍ من إبعاد هذا السر. ففي الواقع هناك النزعة دوماً في الإنسان لأن يُحَجِّم الإفخارستيا ويجعلها على قياسه الشخصي، بينما في الحقيقة عليه هو أن ينفتح على جميع أبعا د السرّ." تقدّم لنا ليتورجيّة خميس الأسرار نصّ العشاء الأخير كما رواه لوقا، لنتأمل بسّر الإفخارستيا في معناه البيبلي، من حيث مصدر هذا السر ومن حيث معناه اللاهوتي في حياتنا المسيحية

نص العشاء السري بحسب القديس لوقا
22 1وقَرُبَ عيدُ الفَطيرِ الَّذي يُقالُ له الفِصْح. 2وكانَ عُظَماءُ الكَهَنَةِ والكَتَبَةُ يَبحَثونَ كَيفَ يَقتُلونَ يَسوع، لَأَنَّهم كانوا يَخافونَ الشَّعب. 3فدَخَلَ الشَّيطانُ في يَهوذا المَعْروفِ بِالإِسْخَرْيوطِيّ، وهو مِن جُملَةِ الاِثَنيْ عَشَر. 4فمَضى وفاوَضَ عُظَماءَ الكَهَنَةِ وقادَةَ الحَرَس لِيَرى كَيفَ يُسلِمُه إِلَيهم. 5ففَرِحوا وَاتَّفَقوا أَن يُعطُوهُ شَيئاً مِنَ الفِضَّة. 6فَرَضِيَ وأَخَذَ يَتَرَقَّبُ فُرصَةً لِيُسلِمَه إلَيهِم بِمَعزِلٍ عنِ الجَمْع

عشاء الفصح وتأسيس الإفخارستيّا
7وجاءَ يَومُ الفَطير، وفيه يَجِبُ ذَبْحُ حَمَلِ الفِصْح. 8فأَرسَلَ بُطُرسَ ويوحَنَّا وقالَ لَهما: (( اِذهبَا فأَعِدَّا لَنا الفِصْحَ لِنَأكُلَه)). 9فقالا له: (( أَينَ تُريدُ أَن نُعِدَّه؟ )) 10فقالَ لَهما: (( إذا دَخَلتُما المَدينة يَلقاكُما رَجُلٌ يَحمِلُ جَرَّةَ ماء، فَاتبَعاهُ إِلى البَيتِ الَّذي يَدخُلُه، 11وقولا لِرَبِّ البَيت: يقولُ المُعلِّم: أَينَ الغُرفَةُ الَّتي آكُلُ فيها الفِصْحَ مع تَلاميذي ؟ 12فيُريكُما عُلِّيَّةً كَبيرةً مَفروشَة، فَأَعِدَّاهُ هُناكَ )). 13فذَهَبا فوَجَدا كَما قالَ لَهما، فَأَعَدَّا الفِصْح. 14فلمَّا أَتَتِ السَّاعة جلَسَ هو وَالرُّسُلُ لِلطَّعام. 15فقالَ لَهم: (( اِشتَهَيتُ شَهْوَةً شديدةً أَن آكُلَ هذا الفِصْحَ مَعَكم قَبلَ أَن أَتأَلَّم. 16فإِنِّي أَقولُ لَكم: لا آكُلُه بعدَ اليَومِ حتَّى يَتِمَّ في مَلَكوتِ الله)). 17ثُمَّ تَناوَلَ كأساً وشَكَرَ وقال: (( خُذوا هذا واقتَسِموهُ بَينكم، 18فإِنِّي أَقولُ لَكم: لن أَشرَبَ بَعدَ اليَومِ مِن عَصيرِ الكَرمَةِ حتَّى يَأتيَ مَلَكوتُ الله )). 19ثُمَّ أَخَذَ خُبْزاً وشَكَرَ وكَسَرَه وناوَلَهُم إِيَّاهُ وقال: ((هذا هو جَسدي يُبذَلُ مِن أَجلِكُم. إِصنَعوا هذا لِذِكْري)). 20وصنَعَ مِثلَ ذلكَ على الكأسِ بَعدَ العَشاءِ فقال: (( هذِه الكَأسُ هي العَهدُ الجَديدُ بِدمي الَّذي يُراقُ مِن أَجْلِكم)). 

لا يمكننا ولا يحق لنا أن نعزل هذا النص الكتابي عن بيئته الدينية والثقافية، وإعتباره نصّا خاصاً بالمسيحيين، فالقديس لوقا، حين كتب هذا النص المقدّس، لم يكتبه ليؤلّف كتاباً مقدّساً، إنما كتبه لجماعة كنيسته المحلية ليعلّمها ويقويها في فترة نزاعات داخلية وإضطهادات خارجية، ويجيب على تساءلاتها حول الإيمان بالرب يسوع

يبدأ لوقا إنجيله في هيكل أورشليم (1،5) ويختمه في الهيكل: "وكانوا يُلازِمونَ الهَيكَلَ يُبارِكونَ الله" (24، 53) وهو تشديد على استمراريّة عهود الله لشعبه من خلال ابنه الّذي جاء يكمل مسيرة التاريخ الخلاصيّ ويتمّم العهد بموته وقيامته. يعلن لوقا أن وعود الله قد تححقت قدوم المسيح . لذلك ينطلق لوقا من التقليد اليهودي لعيد الفصح ليعلن، بطريقة قد لا نراها أو نفهمها نحن اليوم بعد الفي سنة، إذا لم نقرأ جيداً النص بعين العهد القديم والعهد الجديد معاً. إذا لم نقرأ نص العهد الجديد ضمن واقعه وبيئته نكون مخطئين. لا يحق للمسيحي أن يقول: "ليلة العشاء السرّي إخترع المسيح ديانة جديدة" المسيح لم يكن يريد تأسيس ديانة جديدة، بل هو إكتمال وعود الله في العهد القديم

لنفهم النص أولاً: 

الفصحمعنى الكلمة 

اسم عبري معناه (( عبور )) (خر 12: 13 و 23 و 27). 
(1)
أول الأعياد السنوية الثلاثة التي كان مفروضاً فيها على جميع الرجال الظهور أمام الرب في بيت العبادة (تث 16: 1- 2 و 5- 6). ويعرف أيضاً بعيد الفطير (خر 23: 15 وتث 16: 16) أنشئ في مصر تذكاراً للحدث الذي بلغ من خلاله خلاص بني إسرائيل ذروته (خر 12: 1 و 2 و 14 و 42 و 23: 15 وتث 16: 1 و 3) حين ضرب الرب ليلاً كل بكر في مصر وعبر عن بيوت بني إسرائيل المرشوشة بالدم، والمقيمون فيها واقفون وعصيهم في أيديهم في انتظار الخلاص الموعود. فصارت تلك الليلة مقدّسة تحفظ للرب وحده
كان العيد يبدأ مساء الرابع عشر من شهر ابيب (المعروف بعد السبي بشهر نيسان) أي بداءة الخامس عشر منه (لا 23: 5 إلخ). فكان يذبح خروف أو جدي بين العشائين نحو غروب الشمس (خر 12: 6 وتث 16: 6) ويشوى بكامله دون تحطيم عظمه، ثم يؤكل مع فطير وأعشاب مرة (خر 12: 8). كان الدم المسفوك يشير إلى التكفير. أما الأعشاب المرّة فكانت ترمز إلى مرارة العبودية في مصر، والفطير إلى الطهارة (قابل لا 2: 11 و1 كو 5: 7 و8) ـ إشارة إلى أن المشتركين في الفصح ينبذون كل خبث وشر ويكونون في شركة مقدسة مع الرب. وكان جميع أفراد البيت يشتركون في أكل الفصح. وإذا كانت الأسرة صغيرة كانت تشترك معها أسر أخرى لكي يؤكل الخروف بكامله (خر 12: 4). وكان رأس العائلة أو المتقدم بينهم يتلو على الحضور قصة الخلاص والعبور من مصر الى أرض الميعاد
كان المشتركون في أكل الفصح في أول عهده يقفون بينما في الأزمنة الأخيرة صاروا يتكئون وقد أضافوا إلى فريضة الفصح فيما بعد الأمور التالية: أربع كؤوس خمر يباركها ربّ العائلة ويمرّرها الى الحاضرين ممزوجة بالماء، ويرنّمون المزمورين 113 و118 (قابل اش 309ومز 42: 4)، ويحضّرون وعاء من الأثمار ممزوجة بالخل لتذكيرهم بالطين الذي جبله آباءهم في عبودية مصر.

عشاء الفصح
يتألف من: الحمل الفصحي (لا ذكر له في هذا النص)، الأعشاب المرّّة، الخبز الفطير، أربعة كؤوس من الخمر. أربعة كؤوس من الخمر، وقد قلنا أنّها إضافة متأخّرة لعشاء الفصح، تحمل رمزية ترتبط بنصّ خروج 6، 6ـ7
أَنا الرَّبُّ، لَأخرِجَنَّكم مِن تحتِ سُخْراتِ المِصرِيِّين 
وأُنقِذُكم مِن عُبودِيَّتِهم 
وأَفديكم بذِراعٍ مَبْسوطة وأَحْكامٍ عَظيمة 
. 7
وأَتَّخِذُكم لي شَعباً وأَكونُ لَكم إلهاً وتَعلَمونَ أَنِّي أَنا الرَّبُّ إِلهُكم الَّذي يُخرِجُكم مِن تَحتِ سُخْراتِ المِصرِيَّين. 8 وسأُدخِلُكمُ الأَرضَ الَّتي رَفَعتُ يَدي مُقسِماً أَن أُعطِيَها لإِبْراهيمَ وإِسحقَ ويَعْقوب فأُعطِيَها لَكم ميراثاً أَنا الرَّبّ 

الكأس الأولى
15فقالَ لَهم: (( اِشتَهَيتُ شَهْوَةً شديدةً أَن آكُلَ هذا الفِصْحَ مَعَكم قَبلَ أَن أَتأَلَّم. 16فإِنِّي أَقولُ لَكم: لا آكُلُه بعدَ اليَومِ حتَّى يَتِمَّ في مَلَكوتِ الله )). 17ثُمَّ تَناوَلَ كأساً وشَكَرَ وقال: (( خُذوا هذا واقتَسِموهُ بَينكم، 18فإِنِّي أَقولُ لَكم: لن أَشرَبَ بَعدَ اليَومِ مِن عَصيرِ الكَرمَةِ حتَّى يَأتيَ مَلَكوتُ الله
هي كأس التقديس أو البركة، يعلن فيها رب العائلة: مبارك أنت يا الله صانع السماوات والأرض، هي كأس الخلاص من سخرة المصريين، لهذا في الكأس الأولى نجد الرب يسوع يعلن: "اِشتَهَيتُ شَهْوَةً شديدةً" فهنا يبدأ بتتميم ما أرسله الله لصنعه. هو الخروج من ملك العالم والدخول في ملكوت جديد يتحقق بقيامة المسيح من الموت
هي بشرى خلاص قول المسيح: : "لن أَشرَبَ بَعدَ اليَومِ مِن عَصيرِ الكَرمَةِ حتَّى يَأتيَ مَلَكوتُ الله" فهو بالكأس الأولى يحرر تلاميذه، كل واحد منّا، من عبودية مصر، عبودية العمل المادي وترك الروح، عبودية الجسد والمادة، عبودية العالم الإستهلاكي، عبودية النظرة الوصولية كل واحد للآخر، واستعباد الآخر كما استعبد مصر أخاه يهوذا
خُذوا هذا واقتَسِموهُ بَينكم: هبة الحرية هذه ليست هبة شخصية أو حصرية، المسيح يعلن هنا ما سيقوله لتلاميذه بعد القيامة: إعلان الإنجيل، بشرى للمسبيين وللمستعبدين بالتحرر وإشراك الإنسانيّة كلّها في التحرير الّذي حقّقة المسيح، موسى الجديد

كسر الخبز
بعد الكأس الأولى يبارك الرب الذي أعطى الخبز، ثم يؤكل مع الحمل الفصحي، تتشاركه الجماعة كلها. رمزية كسر الخبز تعني ليس فقط موت الحمل، الحمل الغائب في هذا النصّ لأن الحمل الحقيقي هو يسوع الّذي يقدّم ذاته، بل يشمل أيضاً حقيقة اشتراك كلّ فرد في حياة الجماعة وفي خلاصها، فالشعب خلّص كجماعة متضامنة، تشترك في الحياة نفسها وفي الخلاص الواحد وفي الإيمان الّذي يوحّدها. هو ليس خلاصاً فردياً، كل فرد من الجماعة يشترك في خلاص الآخر 
يفتح الباب للفقراء فالرب فتح باب الخلاص للبشرية مجّاناً. من هنا نفهم معنى الإفخارستيا كسرّ يصنع الجماعة ويوّحدها، ويُحتفل به في الجماعة بأسرها
لا يأتي لوقا على ذكر الحمل المذبوح
ـالمسيح فصحنا قد ذُبح: هو المسيح بذاته يصبح حمل الفصح الحقيقيّ، يذبح فداء عن البشريّة كلّها
ـالمسيح يُبطل ويقفل دوّامة العنف : بغياب الحمل هنا يعود بنا الرّب الى حالة الإنسان ما قبل خطيئة آدم وحوّاء، حين كان الإنسان في حالة سلام مع الخلائق كلّها، ولم يكن سفك الدماء وارداً. بموت المسيح، عاد ممكناً لنا أن نعود الى حالة السلام مع الله، مع الآخرين ومع ذاتنا، دون سفك دماء ودون حاجة الى التكفير العنيف

الكأس الثانية
20وصنَعَ مِثلَ ذلكَ على الكأسِ بَعدَ العَشاءِ فقال: (( هذِه الكَأسُ هي العَهدُ الجَديدُ بِدمي الَّذي يُراقُ مِن أَجْلِكم 

في الكأس الثانية في عشاء الفصح يعيد اليهودي اتمام (وليس فقط يتذكر) حدث تحريره من العبودية. وقد ربط الأدب الرّبينيّ المعاصر للمسيح الكأس الثانية بقول الرّب: " وأُنقِذُكم مِن عُبودِيَّتِهم" قد نعتقد أن الكأس الأولى والثانية تحملان المعنى نفسه، فالكأس الأولى ترتبط بقول الله لشعبه " لَأخرِجَنَّكم مِن تحتِ سُخْراتِ المِصرِيِّين ". في الكأس الأولى يتحرر الإنسان من عبودية الإنسان والمادة، إنما يبقى عبداً في حالته الكيانية. وحده الإشتراك في طبيعة الله تحرر الإنسان، لذلك إسرائيل كان يُدعى إبن الله فقط حين كان حرّا من عبادة الآلهة الأخرى
في كأسه الثانية يشرك المسيح الإله الكامل والإنسان الكامل إنسانيتنا في ألوهته من خلال إعطاءنا جسده مأكلاً، إي إنه يعطينا إمكانية الإتحاد جسدياً بشخصه الإلهي، وهي حالة تحرير تفوق الأولى، فهي ليست فقط حالة تحرير إجتماعي أو مادي إنما تغيير كياني: ننتقل من حالة العبيد بالطبيعة والولادة بسبب خطيئة آدم، الى حالة أبناء الله. لذلك كانت الكأس الثانية بعد كسر الخبز، أي بعد اشراكنا في حياته الإلهيّة من خلال إعطائنا جسده مأكلاً

الحمل المذبوح والكأس الثانية لا ينفصلاندم الحمل يحقق فداءهم من الموت (بالرش على عضائد الأبواب) ولحم الحمل يحقق وحدة جماعة إسرائيل، تماماً كما أن دم المسيح هو عربون فداءنا وجسده هو وحدتنا جميعنا في جسده السري الذي هو الكنيسة. لذلك كانت العادة في الكنيسة كلها في الألف الأول (لغاية المجمع التريدنتيني)، ولا تزال حتى اليوم في كنائسنا الشرقية، بالمناولة الإفخارستية تحت الشكلين

التهليل والكأسان الأخيرتان
لوقا لا يذكر الكاسين الأخيرتين الواجب شربهما في العشاء الفصحي ولا حتى الأناشيد (التهليل) الختامية، فهل هو جهل من الإنجيلي بعادات اليهود؟ 
للوهلة الأولى قد نجيب بالإيجاب، إنما لوقا لم يكن مهتمّا بكتابة تفاصيل تاريخية إنما لاهوتية
التهليل غير موجود لأن عشاء الفصح لم ينته، ففصح المسيح لا ينتهي قبل موته على خشبة الصليب، ولوقا كان يعلم هذا، لذلك ترك الكأسين الأخيرتين الى ما بعد العشاء

الكأس الثالثة
بها يتذكر اليهود القسم الثالث من وعد الرب: وأَفديكم بذِراعٍ مَبْسوطة وأَحْكامٍ عَظيمة
الذراع المبسوطة في سفر الخروج هي الضربة الأخيرة: موت الإبن البكر.(6،1 فقالَ الرَّبُّ لِموسى: (( الآنَ تَرى ما أَصنَعُ بِفِرعَون. فإِنَّ يَداً قَوِيَّةً تُجْبِرُه على إِطْلاقِهم ويَداً قَوِيَّةً تُجبِرُه على طَردِهم )) متكلما عن موت الأبكار.) 
من بعد هذا نجد أن الشعب غير مهتم (6،9 فكَلَّمَ موسى بذلِكَ بَني إِسْرائيل، فلَم يَسْمَعوا لِموسى لِضيقِ أَنفاسِهِم والعُبودِيَّةِ القاسِية) تماما كما أن الرسل لم يهتموا بعد اشتراكهم بالحرية بل صاروا يتجادلون حول من هو الأكبر
الأحكام العظيمة هي عبور الشعب العبراني بحر القصب المشقوق. رغم هذا لم يثق الشعب بقدرة الرب في إعطاءه الخلاص فصنع العجل الذهبي (خر 38)، والتلاميذ لم يثقوا بمخطط الرب فلجأوا الى قوة السلاح في بستان الزيتون: عودة الى العنف الذي أراد المسيح إبطاله بتقديمه جسده ودمه. رغم هذا غفر الله للشعب بعد صلاة موسى على الجبل، والرب نفسه غفر عنف التلاميذ في بستان الزيتون
لقد شرب المسيح الكأس الثالثة في بستان الزيتون، فإن كانت الكأس الثالثة ترتبط بموت أبكار المصريّين، فالمسيح الّذي يزيل العنف، أخذ دور بكر المصريّين. هذه الكأس الثالثة قدّمها الآب له في بستان الزيتون، فصرخ المسيح صرخة إنسانيّتنا:يَا أَبَتَاهُ ، إِنْ شِئْتَ أَنْ تُجِيزَ عَنِّي هَذِهِ الْكَأْسَ. وَلَكِنْ لِتَكُنْ لاَ إِرَادَتِي بَلْ إِرَادَتُكَ)). 43وَظَهَرَ لَهُ مَلاَكٌ مِنَ السَّمَاءِ يُقَوِّيهِ. يد الله القوية نزلت هذه المرة على بكره هو لا على بكر فرعون، الله الآب شارك فرعون ألمه، قدّم الآب ابنه الوحيد لتنتهي دوّامة العنف
الملاك الذي يعزيه هو الملاك الذي وعده الرب لشعبه فسار أمامه في الصحراء خر 23،30 "ها أَنا مُرسِلٌ أَمامَكَ مَلاكاً لِيَحفَظَكَ في الطَّريق ويأَتِيَ بِكَ إِلى المَكانِ الَّذي أَعدَدتُه
الأن هو الله الآب يقفل دورة العنف بأخذه نتيجة العنف عليه بموت وحيده. في سفر الخروج نجد حدث موت الإبن البكر منذ بداية عبودية المصريين (أمر فرعون بقتل أبكار العبرانيين) حتى حدث تحريرهم (موت أبكار المصريين)، سلسلة عنف لا تستهدف الإبن بحد ذاته، بل تغلق على الأب كل أمل بالإستمرارية. سلسلة العنف هذه قد أقفلها الآب هنا، إذ شارك العبرانيين والمصريين ألم فقدان البكر، ليخرج الإنسان من دوّامة قتل استمراريّة أخيه الإنسان. على الصليب يرى اللهُ الآبُ ابنَه يتألم ويموت، ليعطي للإنسان إمكانية الإستمرار، عمل يستمر في الإفخارستيا
لوقا قرأ وتمعّن في سفر الخروج وعرف كيف يرويه في عشاء الفصح ليلة جمعة الآلام

الكأس الرابعة
هي كأس الشكر على الوعد الرابع، ربطها التقليد اليهوديّ بالقسم الأخير من الآية: "وأَتَّخِذُكم لي شَعباً وأَكونُ لَكم إلهاً
هذه الكأس شربها المسيح على الصليب، "وَالْجُنْدُ أَيْضاً اسْتَهْزَأُوا بِهِ وَهُمْ يَأْتُونَ وَيُقَدِّمُونَ لَهُ خَلاًّ" لهذا بحسب يوحنا يقول المسيح: لقد تم "فلَمَّا تَناوَلَ يسوعُ الخَلَّ قال: (( تَمَّ كُلُّ شَيء )) ثُمَّ حَنى رأسَهُ وأَسلَمَ الرُّوح". (يو 19،30
المسيح ببسطه يديه على الصليب أسّس الإفخارستيا، لذلك لا يمكننا القول أن عشاء الفصح في العليّة كان رمزا مسبقا لموت المسيح، فتأسيس الإفخارستيّا بدأ ليل الخميس في علّية صهيون، ببركة الكأسين وكسر الخبز، وأكمل في بستان الزيتون حين قبل الإبن من الآب كأس موت البكر فقبل تتميم الإرادة الإلهيّة، وتمّ على الصليب في ذبيحة الحبّ الأسمى، ذبيحة إعطاء الله ذاته للإنسان. هي صلاة المسيح في يوحنَا ليكونوا واحداً حققها بصلاته الأخيرة على الصليب، كأني به يردّد المزمور 141/2 لِتَكُنْ صَلاتي بَخورًا أَمامَكَ ورَفعُ كَفَّيَّ تَقدِمةَ مَساء ففي ذلك المساء قدّم المسيح صلاة البشرية كلها لله الآب حين سلّم ذاته، ومعه مصير البشرية وخلاصها، بقوله: "بين يديك أستودع روحي". 

التهليل
إن عشاء الفصح في التقليد اليهوديّ كان يُختتم بالتهليل، أي بإنشاد المزامير، وذبيحة الفصح الأسمي التي تمّت على الصليب قد اختتمت بأروع نشيد تمجيد لله، نشيد تقديم المسيح ذاته والبشريّة بأسرها لأبيه قائلاً بين "يديك أستودع روحي". 
إنتقال من العهد القديم الى الجديد بالخادم الذي يحمل جرّة الى السيد
أعود الى الى ما قلنا بداية، أن لوقا لم يكن يسعى الى تأسيس ديانة جديدة وكتابة كتاب مقدّس، إنما كان مقتنعاً أن ما حدث مع المسيح هو تتميم لوعود الله الخلاصية، وبالتالي فإن الكتب قد تمّت بعمل المسيح الخلاصيّ
إذا عدنا الى ما أورده لوقا حول إرشادات المسيح لبطرس ويوحنا للتحضير لعشاء الفصح ماذا نجد؟ 
10
فقالَ لَهما: ((إذا دَخَلتُما المَدينة يَلقاكُما رَجُلٌ يَحمِلُ جَرَّةَ ماء، فَاتبَعاهُ إِلى البَيتِ الَّذي يَدخُلُه، 11وقولا لِرَبِّ البَيت: يقولُ المُعلِّم: أَينَ الغُرفَةُ الَّتي آكُلُ فيها الفِصْحَ مع تَلاميذي ؟ 12فيُريكُما عُلِّيَّةً كَبيرةً مَفروشَة، فَأَعِدَّاهُ هُناكَ)). 
لا يمكننا أن نتجاهل هذه الآية إذا أردنا أن نفهم هذا النص بعمقه ومن جميع نواحيه
هناك شرّاح معاصرون يريدون أن يرون أن العشاء الفصحي قد تّم في الإطار الأسّيني، أي ما ندعوه نحن جماعة قمران، لأن الرجل لا يحمل جرة بل هو عمل للنساء. في قمران لم يكن هناك وجود للنساء وبالتالي فإن المسيح كان أسّينيّاً
هذا الشرح قد يقتل رسالة لوقا الحقيقية، فلوقا ذو الثقافة اليونانية، قد إستعمل الرمزية كنوع أدبي ليفهم القارىء النبيه عمق النص
ـإنتقال من العهد القديم الى العهد الجديدالعهد القديم هو خادم يحمل رسالة الرب الى شعبه، الخادم الذي يحمل جرّة الماء هو رمز للعهد القديم الذي، بحدّ ذاته، لا يعطي الخلاص إنما يرشد الى الخلاص، الى سيد البيت
الجرة، رمز للضعف وقابلة للتحطم، تماماً كالعهد بين الله وشعبه المعرّض للتحطم من ناحية الشعب. الجرة هي رمز للطبيعة البشرية وتعلّقها التام بخالقها (أش 64،7 والآنَ يا رَبُّ أَنتَ أَبونا نَحنُ الطِّينُ وأَنتَ جابِلُنا ونَحنُ جَميعاً عَمَلُ يَدِكَ.)، فالطبيعة البشرية تشبّه بالجرة الخزفية. هكذا تضحي 
الجرة على كتف الخادم رمزاً للإفخارستيا التي إنتقلت بواسطة العهد القديم، خادم العهد الجديد، الى حياة الكنيسة، وأوصلت في الوقت نفسه الكنيسة، ممثلة برأسها بطرس، وقلبها يوحنا، أي بالسلطة الكنسية وبالمؤمنين المعمّدين، الى لقاء رب البيت
الجرّة هي أيضاً رمز لمحدودية حياة الإنسان المائت بعيداّ عن الله (جامعة 12،6 6 قَبلَ أَن يَنقَطعِ حَبلُ الفِضَّة ويَنكَسِرَ كوبُ الَّذهَب وتَتَحَطَّمَ الجرَةُ عِندَ العَين وتَنقَصِفَ البَكَرَة على البِئْر7 فيَعودَ التُّرابُ إلى الأَرضِ حَيثُ كان وَيعودَ النَّفَسُ إلى اللهِ الَّذي وَهَبَه). 
وهي رمز للإختيار الإلهي، شاول يعلنه الرب إناء خزف مختار، يوصل رسالته للشعب، رغم ضعف بولس، صار إناء خزف مختار يحتوي تعليم السيّد، ووحدها النعمة الإلهيّة تمنع انحطامه
وهي رمز للعهد بين الله وشعبه (إرميا 19: 1. 10: هكذا قالَ الرَّبّ: إِذْهَبْ وآشتَرِ إِبْريقَ خَزَّاف، ومَعَك مِن شُيوخِ الشَّعبِ ومِن شُيوخِ الكَهَنَة،... 10 ثُمَّ تَكسِرُ الإِبْريقَ على أَعيُنِ الرِّجالِ الذَّاهِبينَ مَعَكَ، 11 وتَقولُ لَهم: هكذا قالَ رَبُّ القُوَّات: كذلِك أَكسِرُ هذا الشَّعبَ وهذه المَدينة، كما يُكسَرُ إِناءُ الخَزَّافِ الَّذي لا يُمكِنُ أَن يُجبَرَ مِن بَعدُ". 
بطرس ويوحنا دعيا الى إتّباع الخادم حامل الجرّة، رمز للعهد القديم الّذي يرشد تابعيه الى سيّد البيت، وسيّد البيت هو الذي يؤمّن للكنيسة مكان الإفخارستيا. بطريقة رمزية يقول أن عمل الخادم، العهد القديم، قد إنتهى بإرشاد شعب الله (ممثّلة ببطرس الرأس ويوحنا القلب) الى بيت السيد ومائدته الإفخارستية، إي الكنيسة
الماء: معانيه كثيرة في العهد القديم، إنما واحد فقط يعنينا هنا، في إطار العهد الجديد الذي يقيمه الرب مع شعبه، وفي إطار الإفخارستياـ الخروج الجديد
الماء الخارج من الصخرة في سفر الخروج، ماء الخلاص (خر 17،6 ها أَنا قائِمٌ أَمامَكَ هُناكَ على الصَّخرَةِ (في حوريب) فَتضرِبُ الصَّخَرة، فإِنَّه يَخرُجُ مِنها ماءٌ فيَشرَبُ الشَّعْب )).) وهو ما يعيد التذكير به النبي زكريا (زك 14،8) "ويَكونُ في ذلك اليَومِ أَنَّ مِياهاً حَيَّةً تَخرُجُ مِن أُورَشَليم" لذلك يشدّد لوقا على أورشليم من حيث المكان كمكان العشاء وليس خارج المدينة مع "القمرانيين" ومن حيث الزمان على "اليوم" (22،7) والساعة (22،14). 

خلاصة
"إِنَّ أَبي كانَ آراميُّا تائِهًا، فنَزَلَ إلى مِصرَ وأَقامَ هُناكَ مع رِجالٍ قَلائِل، فصارَ هُناكَ أُمَّةً عَظيمة قَوِّيةً كَثيرة" (تث 26،5
واجب على كل منّا التذكر أننا نحن هذا الأرامي التائه، غريب عن شعب الله، غريب عن صداقة الرب، مستثنى عن عهد الموعد وغريب عن جماعة إسرائيل، أرامي تائه وجد في كلمة الله و في جسده ودمه جسر عبور نحو أرض الموعد، وباب دخول نحو جماعة إسرائيل الجديد، الكنيسة، بواسطة جسد المسيح ودمه، كما يقول الرسول بولس (أفسس 2, 13-19
13
أَمَّا الآن ففي المسيحِ يَسوع، أَنتُمُ الَّذينَ كانوا بالأَمْسِ أَباعِدَ، قد جُعِلتُم أَقارِبَ بِدَمِ المسيح. 14 فإِنَّه سَلامُنا، فقَد جَعَلَ مِنَ الجَماعتَينِ جَماعةً واحِدة وهَدَمَ في جَسَدِه الحاجِزَ الَّذي يَفصِلُ بَينَهما، أَيِ العَداوة ،15وأَلغى شَريعةَ الوَصايا وما فيها مِن أَحكام لِيَخلُقَ في شَخْصِه مِن هاتَينِ الجَماعتَين، بَعدَما أَحَلَّ السَّلامَ بَينَهما، إِنسانًا جَديدًا واحِدًا 16 ويُصلِحَ بَينَهما وبَينَ الله فجَعَلَهما جَسَدًا واحِدًا بِالصَّليب وبِه قَضى على العَداوة. 17 جاءَ وبَشَّرَكم بِالسَّلام أَنتُمُ الَّذينَ كُنتُم بعيدين، وبَشَّرَ بِالسَّلامِ الَّذينَ كانوا قريبين، 18 لأَنَّ لَنا بِه جَميعًا سَبيلاً إِلى الآبِ في رُوحٍ واحِد. 19 فلَستُم إِذاً بَعدَ اليَومِ غُرَباءَ أَو نُزَلاء، بل أَنتُم مِن أَبناءَ وَطَنِ القِدِّيسين ومِن أَهْلِ بَيتِ الله، 
اليس لهذا دُعيت الإفخارستيا مع الآباء Viaticum أي زاد الطريق فهي تنقل الإنسان من حالة الأرامي التائه على دروب الموت الى حالة البنوة الإلهية بالمسيح يسوع؟.

اسبوع الآلام

 

 ourba3a2ayoub

اربعاء ايوب

 

الرسالة:

(عب 2 : 1 – 12 )
فإِنَّه لم يُخضِعْ لِلمَلائِكَةِ العالَمَ المُقبِلَ الَّذي علَيه نَتَكلَّم،فقَد شَهِدَ بَعضُهم في مَكانٍ مِنَ الكِتابِ قال: (( ما الإِنسانُ فتَذكُرَه؟ وما ابنُ الإنسانِ فتَنظُرَ إِلَيه؟حَطَطتَه قَليلاً دونَ المَلائِكَة وكَلَّلْتَه بِالمَجْدِ والكَرامَةوأَخضَعتَ كُلَّ شَيءٍ: تَحتَ قَدَمَيه )). فإذا (( أَخضَعَ لَه كُلَّ شَيء ))، فإِنَّه لم يَدَعْ شَيئًا غَيرَ خاضِعٍ لَه. على أَنَّنا لا نَرى الآنَ كُلَّ شَيءٍ مُخضَعًا لَه،ولكِنَّ ذَاكَ الَّذي ((حُطَّ قَليلاً دونَ المَلائِكَة ))، أَعْني يسوع، نُشاهِدُه مُكلَلاً بِالمَجْدِ والكَرامةِ لأَنَّه عانى المَوت، وهكذا بِنِعمَةِ اللّهِ ذاقَ المَوتَ مِن أَجْلِ كُلِّ إِنسانفذاكَ الَّذي مِن أَجْلِه كُلُّ شَيءٍ وبِه كُلُّ شَيء، وقَد أَرادَ أَن يَقودَ إِلى المَجْد ِكَثيرًا مِنَ الأَبناء، كانَ يَحسُنُ به أَن يَجعَلَ مُبدِئَ خَلاصِهم مُكَمَّلاً بِالآلام،  لأَنَّ كُلاًّ مِنَ المُقَدِّسِ والمُقَدَّسينَ لَه أَصْلٌ واحِد، ولِذلِكَ لا يَستَحْيي أَن يَدعُوَهم إِخوَةً  حَيثُ يَقول: سأُبَشِّرُ بِاسمِكَ إِخوَتي وفي وَسْطِ الجَماعَةِ أُسَبِّحُكَ.

 

 

الانجيل:

(يو 11 : 47 – 57)

فعقَدَ عُظَمَاءُ الكَهَنَةِ و الفِرِّيسيُّونَ مَجلِساً وقالوا: (( ماذا نَعمَل؟ فإِنَّ هذا الرَّجُلَ يَأتي بِآياتٍ كثيرة
 
فإذا تَركْناهُ وشَأنَه آمَنوا بِه جَميعاً، فيأتي الرُّومانِيُّونَ فيُدَمِّرونَ حَرَمَنا واُمَّتَنا.فقالَ أَحَدُهم قَيافا، وكانَ في تِلكَ السَّنَةِ عَظيمَ الكَهَنَة: (( أَنتُم لا تُدرِكونَ شَيئاً،  ولا تَفطُنونَ أَنَّه خَيرٌ لكُم أَن يَموتَ رَجُلٌ واحدٌ عَنِ الشَّعْب ولا تَهلِكَ الأُمَّةُ بِأَسرِها. ولَم يَقُلْ هذا الكَلامَ مِن عِندِه، بَل قالَه لأَنَّه عظَيمُ الكَهَنَةِ في تِلكَ السَّنَة، فَتَنَبَّأَ أَنَّ يسوعَ سيَموتُ عَنِ الأُمَّة،  ولاعنِ الأُمَّةِ فَقَط، بل لِيَجمَعَ أيضاً شَمْلَ أَبناءِ اللهِ المُشَتَّتين فعَزَموا مُنذُ ذلك اليَومِ على قَتْلِهفكَفَّ يسوعُ عنِ الجَوَلانِ بَينَ اليَهودِ عَلانِيََّةً، فذهَبَ مِن هُناكَ إِلى النَّاحِيَةِ المُتاخِمَةِ لِلبَرِّيَّة إِلى مَدينةٍ يُقالُ لَها أَفرامُ، فأَقامَ فيها معَ تَلاميذِه

 

تأمل في الانجيل:

ها هو الإنسان يصرخ كلمة الحقّ، حين دقّت ساعة الحقّ، عرياناً خرجت من جوف أمّي وعرياناً أعود إلى هناك.

لقد ذاق الإنسان طعم الألم وخبِر تجربة خسارة كلّ ما له. وإذا به أمام عري الواقع، وحيداً لا مال ولا مقتنى ولا أولاد ولا صحّة ولا جمال. وحده خائر القوى يلامس اليأس ولا يقع، ويداني الكفر ولا يجهر به. يعرف أنّ ليس هناك شيء ممّا له ولم يعطه، ولا يفهم لماذا تؤخذ خيراته منه.

يصرخ إلى الله لعلّه يجد فيه سنداً لهمّه وعزاء لغمّه، ولكنّه لا يسمع جواباً فيقلق. أتراه وحده في عتمة هذا الكون العنيد الطمّاع الذي لا يريد لأحدٍ خيراً؟ يصمت حائراً ويسقط خائراً قلبه مليء بالعتب، يسند رأسه بيده ليرى وجه السماء ويصرخ: عتبي عليك يا ألله وماذا جنت يداي حتى أصاب بكلّ ما رميت به من أسى وشقاء.

حكاية أيوب هي حكاية ثقة الله بالإنسان الصادق. نحن نقول حين نعلن إيماننا بقانون الإيمان "نؤمن بإله واحد"، ولكنّ الله قد سبقنا وأعلن إيمانه بالإنسان الذي يسمع كلام الله ويعمل به متكلاً تمام الإتكال على الله، لا على قواه الخاصّة التي تسقط كالرماد أمام الريح. راهن الله بأنّ أيوب لن يسقط ولن يكفر ولو ضُرب بشرّ الضربات.

بينما راهن الله على الضعيف، نرى بالمقارنة مع إيليا النبي الغيور حامل السيف للدفاع عن عقيدة الإيمان المستقيم، أن هذا الإنسان القويّ إكتشف أنّ قوّته بعيداً عن الله لا تساوي شيئاً. فراهن هو على الله ونجدته له. الله يراهن على الإنسان الضعيف، والإنسان القويّ يراهن على الله. هي هي قصّة البشرية منذ كانت. فحين اتكل آدم على قدرته بعيداً عن الله سقط وحين قال المسيح لتكن مشيئتك يا الله، تمّت الغلبة على الموت وعلى الخطيئة وعلى الشيطان.

لئن عتب الإنسان مع أيّوب على ربّه فعتابه محبّب مبرّر. أمّا إنساننا اليوم فأيّ ألم تراه يشكو أكبر من ألم البعد عن الله ورفضه إيّاه.

عالم اليوم أقرب ما يكون إلى الكفر الشامل الذي وقعت فيه البشرية يوم صرخت أصلبوه اصلبوه. لقد فقد الإنسان غاية وجوده الحقيقية، وراح يعبث متحدّياً ربه متّكلاً على عقله وعلمه ومختبراته ومصانعه، تاركاً ما هو لله يغرق في طيّات الزمن العتيق.

لقد خسر الإنسان مرجعيته السامية وانتسب إلى ذاته ليس إلّا، فخسر تلك المرجعية العليا ولم يقدر أن يعرف ذاته حقّ المعرفة. ولكنّ الله لا يترك شعبه فغالباً ما نسمعه يقول: من أُرسل ومن ينطلق ليوقظ شعبي. وتروح كلمات الهداية تقرع الصدور والأبواب. ويسمع الإنسان فيسكت ويصغي ويعرف أن رجعته إلى بيت الآب وعدٌ قد تحقّق، وأنّ كلمة أيّوب "عرياناً خرجت وعرياناً أعود" كان ينقصها فعل الخلاص، ولم يعد للألم مكاناً في الدنيا، لأنّ المسيح أعطى بآلامه آلامنا لوناً جديداً وطعماً جديداً وهدفاً جديداً. وإذا بنا نعود مزوّدين بحبّ الله قرباناً وبرحمته غفراناً. نعود وقد لبسنا ثياب المجد ناصعة كالثلج بياضاً لأنّها قد غُسِلت بدم الحمل.

.

اسبوع الآلام

 

rameaux

احد الشعانين

 

الرسالة:

(فيل ١،١-١٣)

مِن بولُسَ وتيموتاوس، عَبدَي المَسيح يسوع، إلى جَميع القِدّيسينَ في المسيح يسوع، الّذينَ في فيليبي، مَع الأساقِفة والشَّمامِسة: النِّعمَةُ لَكُم، والسَّلامُ مِنَ اللهِ أبينا والرَبِّ يسوع المسيح! أشكُرُ إلهي، كُلَّما ذَكَرتُكُم، ضارِعًا بِفَرَحٍ على الدَوامِ في كُلِّ صَلواتي مِن أجلِكُمْ جَميعًا لِمُشارَكَتِكُم في الإنجيلِ مُنذُ أوَّلِ يَومٍ إلى الآن. وإنّي لَواثِقٌ أنَّ الّذي بَدأ فيكُم هذا العَمَلَ الصّالِحَ سَيُكَمِّلَهُ حتى يَومِ المسيحِ يسوع. فأنَّهُ مِنَ العَدلِ أن يَكونَ لي هذا الشُعورُ نَحوَكُم جَميعًا، لأنّي أحمِلَكُم في قَلبي، أنتُم جَميعًا شُرَكائي في نِعمَتي، سَواءً في قُيودي أو في دِفاعي عَن الإنجيل وتَثبيتِهِ، فإنَّ اللهَ شاهِدٌ لي كَمْ أتَشَوَّقُ إلَيكُم جَميعًا في أحشاءِ المسيح يسوع. وهذه صَلاتي أن تَزدادَ مَحَبَّتُكُم أكثَرَ فأكثَرَ في كُلِّ فَهمٍ ومَعرِفَة، لِتُمَيِّزوا ما هوَ الأفضَل، فَتَكونوا أنقياءَ وبِغَيرِ عِثارٍ إلى يَوم المَسيح، مُمتَلِئينَ مِن ثَمَرِ البِرِّ بيسوعَ المسيح لِمَجدِ الله ومَدحِهِ. أُريدُ أن تَعلَموا، أيُّها الإخوة، أنَّ ما حَدَثَ لي قَد أدّى بالحَريِّ إلى نَجاح الإنجيل، حتّى إنَّ قُيودي مِن أجلِ المسيحِ صارَت مَشهورَةً في دارِ الوِلايَةِ كُلِّها، وفي كُلِّ مَكانٍ آخَر.

 

 

الانجيل:

(يو 12: 12 – 22)

لَمّا سَمِعَ الجَمعُ الكَثير، الّذي أتى إلى العيد، أنَّ يَسوعَ آتٍ إلى أورَشَليم، حَمَلوا سَعَفَ النَّخلِ، وخَرَجوا إلى مُلاقاتِهِ وَهُمْ يَصرُخون: "هوشَعنا! مًبارَكٌ الآتي باسْمِ الرَبّ، مَلِكُ إسرائيل". وَوَجَدَ يسوعُ جَحشًا فَرَكِبَ عَلَيه، كَما هوَ مَكتوب: "لا تَخافي، يا ابنَةَ صِهيون، هوَذا مَلِكُكِ يأتي راكِبًا على جَحْشِ ابْنِ أتان". وما فَهِمَ تَلاميذُهُ ذلِك، أوَّلَ الأمِر، ولَكِنَّهُم تَذَكَّروا، حينَ مُجِّدَ يسوع، أنَّ ذلِكَ كُتِبَ عَنْهُ، وأنَّهُم صَنَعوهُ لَهُ. والجَمعُ الّذي كانَ مَعَ يسوع، حينَ دَعى لَعازَرَ مِنَ القَبْرِ وأقامَهُ مِنْ بَينِ الأموات، كانَ يَشْهَدُ لَهُ. مِن أجلِ هذا أيضًا لاقاهُ الجَمِع، لأنَّهُم سَمِعوا أنَّهُ صَنَعَ تِلكَ الآية. فَقالَ الفَرِّيسيّونَ بَعضُهَم لِبَعضْ: "أُنظُروا: إنَّكُم لا تَنفَعونَ شيئًا! ها هوَ العالَمُ قَد ذَهَبَ وراءَهُ!". وكانَ بَينَ الصّاعِدينَ لِيَسجُدوا في العيد، بَعضُ اليونانيّين. فَدَنا هؤلاءِ مِن فيليبس الّذي مِن بَيتَ صيدا الجَليل، وسألوهُ قائلين: "يا سَيِّد، نُريدُ أن نَرى يسوع". فَجاءَ فيليبس وقالَ لِأندراوس، وجاءَ أندراوس وفيليبس وقالا ليسوع.

 

 

تأمل في الانجيل:

يسرد يوحنا هذه الفترة من حياة يسوع سرداً واحداً كأنه يتكلم عن فترة زمنية واحدة رغم أن هذه الفترة تمتد من 22 تشرين الأول إلى 14 من نيسان (عيد الفصح). لا يمكننا ان ننسب إلى يوحنا جهلاً للتقاليد اليهودية، لأنه يهودي إنما الإنجيلي اراد أن يوصل لنا رسالة خلاصية مهمة قد رآها في أحداث حياة يسوع
عيد المظالإنطلق يسوع من الجليل إلى أورشليم للمشاركة في العيدفالى عبر الأردن (يو 40:10) ثم إلى بيت عنيا حيث أقام لعازر (يو45:10). 
عيد التطهيريسوع في بيت عنيا (يو 55:10
عيد التجديديسوع يدخل أورشليم (يو12:12) عيد الفصح يسوع يصلب

لماذا تستقبل الحشود يسوع هذا الإستقبال الملكي؟ 

1-
عادات اليهود في أعيادهم
بعد توحيد مكان العبادة وإلغاء كل الهياكل في الشمال وحصرها في هيكل أورشليم، كان على كل يهودي أن يقوم بزيارة الهيكل في أورشليم، ويقدموا تقادم ثمار الأرض، ينصبوا المظال حول الهيكل ويحجوا، في عيد المظال وفي عيد الفصح
وكان عيد المظال يدعى لدى اليهود عيد الفرح، أو أيضاً: Atid Lavo أي المزمع ان يأتي (عيد المظال تسمية أطلقها الوثنيّين على العيد)، وكان بعكس عيد الفصح الذي يغلب عليه طابع الألم (الأكل وقوفا، وتذكر الخروج، والطابع الدموي)، كان عيد المظال هو عيد فرح، يغنون ويرقصون ويحملون أغصان النخل (الإنتصار) والزيتون (السلام)، وينزل سكان المدينة إلى مداخل أورشليم لإستقبال الحجّاج بالهتاف والغناء. في عيد المظال كان الشعب يتذكر سكناه مع الرب في الصحراء، ويعتبرونها من الأوقات الذهبية لأن الرب كان حاضراً في وسطهم ليخلصهم، ولذلك كانوا في هذه الفترة يهتفون هوشعنا، أي الله يخلصنا

2-
قيامة ألعازر
السبب الثاني لهذا الإستقبال الملكي ليسوع حين دخل أورشليم هو أن الحجّاج قد جاؤوا من بيت عنيا أيضاً ونقلوا خبر قيامة لعازر، واخبروا أن يسوع آتٍ اورشليم للعيد، فلا بد أن من سمع أخباره قد ذهب لإستقباله، لا سيّما بعد أن اجترح المعجزات، والمعجزات بالنسبة لليهود هي دليل النبوءة والمسيحانية: نبوءة أشعيا قد تحققت به: العمي يبصرون والعرج يمشون، والموتى يقومون: إذا هذا هو المسيح جاء يخلصهم من نير الإحتلال الروماني

لاهوت التجديد المرتبط بهذه الأعياد
إن الرب قد خلق الوجود ولم يُعده الى العدم، ليس لأنه عاجز بل لأنه يحب ويحترم، لأنه وفي لكلمته
حين أخطأ آدم وحواء لم يبدهما الرب ويخلق إنساناً آخر لا يخطيء (كما قد يفعل الولد حين يرسم، إذا أخطأ مزّق الورقة وبدأ على ورقة جديدة) بل أكمل مع آدم وحواء المشوار الذي بدأه. وحينالطوفان لم يمح الأرض كلها ويخلق من جديد، بل أكمل مع نوح، رمز الوفاء للعهد مع الرب. ومعمجيء الرب لم يمح الناموس، لم يمح العادات، ب أكملها وتممها. عادات وتقاليد الشعب اليهودي أظهر معناها الحقيقي، لم يلغ المظال بل أظهر معناها الحقيقي، لم يلغ الهتاف والهوشعنا بل أظهر معناها الحقيقي، لم يلغ النبوءات بل أظهر معناها الحقيقي
إذاً أي معنى حقيقي قد اظهر؟ 
هذه الفترة من أعياد الشعب اليهودي تعود بنا إلى فترتين مهمتين من علاقة الشعب مع الرب
-
في عيد المظال يتذكر الشعب اليهودي الخروج من مصر وسكنه في الخيام مع الرب، وسكنه هو في خباء المحضر، أي في خيمة الحضور، وهي من أجمل أعيادهم لأن الرب كان دائماً معهم، في عمود من غمام نهاراً ومن نار ليلاً
المسيح لم يلغ هذا العيد بل أظهر معناه، ظهر هو بين الشعب، ظهر هو "الله معنا"، يسوع المخلص (يهوشعنا)، أظهر حضور الله الفعلي، تجسد عمود النار والغمام بينهم
-
في عيد التجديد يتذكر الشعب الخروج الثاني، العودة من السبي، حين أعادوا تكريس الهيكل الذي هو رمز حضور الرب بين شعبه. وفي هذا العيد كان الشعب يتذكر سؤال الملك سليمانولكن هل سيسكن الله على الأرض؟». 
إذا لم نفهم معنى هذا العيد، وتشديدهم على هذا السؤال في إحتفالاتهم الليتورجية لا يمكن أن نفهم ما أراد يوحنا ان يوصل إلينا. بدخول المسيح صار الجواب على سؤال سليمان (1مل 27:8). المسيح هو المخلّص، هو الله القادم إلى هيكله

ومع يسوع أيضاً تتم نبوءة أخرى، نبوءة زكريا: ها هو ملكك يأتيك راكباً على اتان، وجحش إبن أتان، وبحسب تفسير «المدراش» كان الأتان يعني الشعب اليهودي حامل الواح الوصايا، وابن الأتان الذي لم يستعمل بعد كان يعني الأمم التي لم تحمل الوصايا. المسيح سيملك على الكل، وسيحرّر الجميع. وبحسب تفسير السنهدرين والشيوخ ال72، كان راكب الأتان هو رمز للشخص المسالم، بينما الحصان هو رمز الحرب، إن المسيح يأتي ملكاً للسلام

من دون هذين العيدين لا يعود لدخول المسيح إلى أورشليم أي معنى
دخول المسيح وهتاف الهوشعنا نفهمه على ضوء هذين الحدثين. الشعب اليهودي في غضون هذه الأيام التسعة يستعيد تاريخه هذا ويستذكر تدخّل الله دوماً في حياته، كما نحيا نحن أسبوع الآلام والقيامة، قراءات كثيرة، وتأمل بحضور الرب، والتوبة والطلب من الرب أن يأتي من جديد: وما هي علامات مجيئه من جديد؟ نبوءة أشعيا التي رأوها تتحقق بالمسيح. لذلك ترك الشعب الخيام والهيكل وإتجهوا نحو المسيح. عاداتهم كانت تقتضي ان يصرخوا هوشعنا في الهيكل وفي المظال لياتي الرب، وحين رأوه حاضراً ذهبوا لإستقباله
الكتبة والفريسيين هم الأكثر وعياً للحقيقة الكتابية وللمعنى الليتورجي للعيدين، ولهذا كانوا الأكثر رفضاً، لأن عمل الهيكل والمظال قد إنتهى، والمسيح قد جاء ليحررههم


التأمّل

1-
أولوية الحقيقة في حياتنا: السعي إليها والشهادة لها 
المسيح يدخل إلى أورشليم، يتمم النبوءات، يعلم أن هذا سوف يقوده إلى الموت، أنما لم يساوم على الحقيقة، لأنه هو الحقيقة، لأنه هو الحق، هو الله، واله لا ينكر ذاته. هذا يدفعنا إلى التأمل في واقعنا، في حياتنا المسيحية، وفي التزامنا الكنسيّما مدى اولوية الحقيقة في حياتنا؟ اولوية الشهادة للحقيقة حتى الإستشهاد: الحقيقة لمبادئنا المسيحية؟ ما مدى الشهادة للحقيقة في تبشيرنا؟بماذا ابشّر، وكم أنا صادق في بشارتي لمسيح؟ المسيح في صِدقه جلب الكون كله اليه (11، 19)
2-
أين هي مظالنا نحن اليوم؟ 
هل هي مقتضية على الخيمة التي سنضعها في خميس الجسد لتظلل الرب الحاضر في القربان؟ أين هو حضور الرب في حياتنا؟ أين هي مظلته بيننا، في جماعاتنا، في بيوتنا، في مدارسنا، في جامعتنا، في علاقتنا مع الآخرين؟ ما مدى شهادتنا لحضور الرب بيننا؟ 
3-
علاقتنا الشخصية بالرب؟ 
الجموع كانت تصرخ "هوشعنا"، أي أنها كانت تصرخ إسم الرب مع الضمير المتّصل "نا": الترجمة قد تكون "يسوعنا"، "مخلّصنا". نتساءل عن العلاقة الخاصة التي تربطنا بالرب لنصرخ له "يسوعنا"، فأحياناً تقتصر معرفتنا للرّب على معرفة نظرية، ننتظره كما إنتظره اليهود، مخلص زمنيّ أو سياسيّ أو حزبيّ، تضحي الهوشعنا شبيهة بصراخ متظاهرين في الساحات. الشعب اليهودي إنتظر المسيح واستقبله لأنه المخلص، ولما رأى أن طريقة يسوع لا تعجبه صرخ في اليوم التالي "إصلبه". ونحن هل ننتظر الرب يسوع كما هو، ونؤمن به ونتبعه كما يريد هو، وعلى طريقته، أو اتبعه لأنه سيخلصني من أخطاء معينة، من حرب معينة، من إضطهاد، من موت... وإذا رأيت طريقة الرب مختلفة عن تفكيري أتركه وأصرخ "أصلبه"؟ كم من المرّات نطلب من يسوع حلولاً سريعة وسحرية، لا نرضى بيسوع المسالم الذي يسالمني مع ذاتي، أنا أرفض ذاتي وواقعي وضعفي وممدوديتي وطاقاتي وشكلي وخطيئتي،، وأريد المسيح الذي يقتلعها وليس يسوع الذي يسالمني معها لينميني وينضجني لأجد أنا لها حلاًّ لأنه يريدني أن اكون سيداً على ذاتي. أرفض الحلّ الّذي يستلزم الجهد والتضحية والتسليم المطلق للرب، الحل الذي ينميّ شخصيتي، وأطلب حلاً سريعاً وسحرياً، أطلب برأبا الذي يقود ثورة ضد الرومان، ثورة كانت ستقود لخراب الهيكل، أطلب ثورة على واقعي، ثورة خارج المسيح قد تهدم هيكل الروح القدس، قد تهدم الإنسان الناضج الذي عليه أن يحمل المسيح إلى الأمم
4-
المسيح هو الملك الأوحد على حياتنا ووجودنا
لقد أُعجب اليهود بقدرة يسوع بعد أن رأوا لعازر فصرخوا له: "هوشعنا" "مبارك ابن داود" و"مبارك الملك الآتي باسم الرّب"، وبعد خمسة أيام صرخوا "فليصلب" وصرخ قادتهم "دمه علينا وعلى أبنائنا". لقد خذل يسوعُ الشعبَ، خاب أملهم، ظنّوه مخلّصاً جاء يريحهم من أثقال النير الرومانيّ ومن الضرائب القاسية. أرادوه أمير حرب فجاء أمير سلام، أرادوه رجل سيف فأعلن أنّه يلقي نار الحبّ في الأرض وكم كانت رغبته أن تشتعل الأرض حبّاً. لم يكن هو المخلّص المطلوب، وكان من الأفضل له أن يرحل. ونحن اليوم كم نجد كلام يسوع مزعجاً، يدعونا الى التضحية، الى المغفرة، الى المحبّة، يدعونا الى حمل صلبان حياتنا، الى السير في الطريق الضيّق تمزّق أشواكه أقدامنا. نفتّش عن الحلول السهلة، نسمح للحقد أن يملك في قلوبنا، نعتنق منطق الإنتقام ونريد أن نحلّ مشاكلنا بسيف قوّتنا الذاتيّة. كما الشعب القديم نزيل يسوع من حياتنا لنقدر أن نحلّ مشاكلنا بطرقنا الخاصّة. نصرخ "فليُرفَع"، نزيله من حياتنا، نحيا انقساماً بين ما نؤمن به وما نطبّقه
هل نعلن المسيح ملكاً أوحد على حياتنا؟ من هو أو ما هو الملك الحقيقيّ على قلبي؟ هل هو يسوع أم هي أموالي، وسلطتي ومقتنياتي؟ لا مساومة في اتّباع يسوع ولا حلول وسط، إمّا أن نختار يسوع أو نختار رغباتنا، لا يمكن ليسوع أن يتساكن ومنطق الحقد والقوّة والعنف. هوشعنا الأطفال هي دعوة لنا لنختار، ويسوع يريدنا أحراراً، نختاره بحرّيتنا أو نتركه بإرادتنا، وكأحرار نتحمّل مسؤوليّة خياراتنا
هو عيد "الشعنينة" عيد الأطفال: منذ القرون الأولى للكنيسة، لا سيّما في كنيسة أورشليم وإنطاكيا، إرتبط هذا العيد بالأطفال وبهتاف الأطفال. في هذا العيد تزدان كنائسنا بأطفال يزدهون بأجمل الملابس وأبهى الشموع. نفرح بهم، نفتخر بهم، نبتسم ونضحك، ويسوع يفرح ويفتخر ويُسرّ. فهم الأبرياء، وهم مثالنا في الحياة المسيحيّة: "من لا يعود كالأطفال لا يدخل ملكوت السماوات" يقول السيّد، فالطفل بريء، لا يحقد، يسامح، يحبّ، ينظر بعين البراءة لا بالنيّة الشريّرة، هو الكائن المتّكل دوماً على والديه، يلقي ذاته بين يديهما بثقة. هم مثالنا في السعي الى البراءة من جديد، الى امتلاك النظرة الصافيّة وسرعة المسامحة والقدرة على المحبّة، إنّهم مثال لنا في الإتّكال على الله والإرتماء بين يديه دون تردّد وبثقة لا حدّ لها. هم مثال لنا بثيابهم اليوم في ضرورة أن نعيد النقاوة الى ثوب معموديّتنا من جديد، ثوباً لبسناه ناصعاً ولطّخناه بخطايا كثيرة، فلنُعِد اليه نقاوته بتوبتنا الصادقة، فنصرخ مع الأطفال، بفرح الأطفال وحبّهم، "هوشعنا ابن داود"، نعلن يسوع مخلّصنا وفادينا والملك الأوحد على حياتنا.

.

.

زمن الصوم

 

shefa2a3ma

الاحد السادس: شفاء الاعمى

 

الرسالة:

(2كور 10: 1 – 7)

أنا بولس نَفسي أُناشِدُكُم بوَداعَة المسيح وحِلمِهِ، أنا المُتواضِعُ بَينَكُم عِندما أكونُ حاضِراً، والجَريءُ عليكُم عِندما أكونُ غائبًا. وأرجو ألاّ أُجبَرَ عِندَ حُضوري أن أكونَ جَريئاً، بالثِّقةِ التي لي بِكُم، والتي أنوي أن أجرؤَ بِها على الذينَ يَحسَبونَ أنَّنا نَسلُكُ كأُناسٍ جسديِّين. أجل، إنَّنا نَحيا في الجَسَد، ولَكِنَّنا لا نُحارِبُ كأُناسٍ جَسَديّين؛ لأنَّ أسلِحَةَ جِهادِنا لَيسَت جسديّة، بَل هيَ قادِرَةٌ باللهِ على هَدمِ الحُصونِ المَنيعة؛ فإنَّنا نَهدِمُ الأفكارَ الخاطئة، وكُلَّ شُموخٍ يَرتَفِعُ ضِدَّ مَعرِفَة الله، ونأسُرُ كَلَّ فِكرٍ لِطاعَةِ المَسيح. ونَحنُ مُستَعِدّونَ أن نُعاقِبَ كُلَّ عُصيان، متى كَمُلَتْ طاعَتُكُم. إنَّكُم تَحكُمونَ على المَظاهِر! إن كانَ أحَدٌ واثِقًا بِنَفسِهِ أنَّهُ لِلمَسيح، فَلْيُفَكِّر في نَفسِهِ انَّهُ كَما هوَ للمَسيح كذَلِكَ نَحنُ أيضًا.

 

 

الانجيل:

(مر 10: 46 – 52)

قالَ مرقس البشير: بَينَما يسوعُ خارِجٌ مِن أريحا، هوَ وتَلاميذُهُ وجَمْعٌ غَفيرْ، كانَ بَرطيما، أي ابنُ طيما، وهوَ شَحَّاذٌ أعمى، جالِسًا على جانِبْ الطَريق. فَلَمّا سَمِعَ أنَّهُ يَسوعُ النّاصِريّ، بَدأَ يَصرُخُ ويَقول: "يا يسوعُ ابنَ داودَ ارحَمني!". فانتَهَرَهُ أُناسٌ كَثيرونَ لِيَسكُتْ، إلاّ أنَّهُ كانَ يَزدادُ صُراخًا: "يا ابنَ داودَ ارحَمني!". فَوَقَفَ يسوعُ وقال: "أُدعوه!". فَدَعَو الأعمى قائلين لَهُ: "ثِقْ وانهَضْ! إنَّهُ يَدعوك" فَطَرَحَ الأعمى رِداءَهُ، وَوَثَبَ وجاءَ إلى يسوع. فَقالَ لَهُ يسوع: "ماذا تُريدُ أنْ أصنَعَ لَكَ؟". قالَ لَهُ الأعمى: "رابُّوني، أنْ أُبصِر!". فقالَ لَهُ يسوع: "إذهَبْ! إيمانُكَ خَلَّصَكَ!". ولِلوَقتِ عادَ يُبصِر. وراحَ يَتبَعُ يسوعَ في الطريق.

 

 

تأمل في الانجيل:

موقع النّص من الإنجيل:إن رواية الشفاء هذه يضعها مرقس كخاتمة لقسم من الإنجيل تحضّر لمرحلة بغاية الأهميّة. يسوع ينتقل من الجليل الى أورشليم عابراً أريحا. يكوّن هذا النّص خاتمة الجزء الأوّل من القسم الأخير في إنجيل مرقس (8، 27- 16، 8) الّذي يروي وجود الرّب في أورشليم. يمكننا ان نعطي القسم الممتد من 8، 27- 10، 25 عنوان "السير نحو أورشليم"، يبتدىء بسؤال حول هويّة يسوع. بعد رسالة يسوع الجليليّة، يذهب مع التلاميذ نحو الشمال، الى قيصريّة، لتبدأ المسيرة من النقطة الشمالية الأقصى نحو المدينة المقدّسة، نحو أورشليم، لتتميم الفصح الحقيقيّ، بموت يسوع وقيامته
يُختَتَم هذا الجزء الأوّل من القسم الأخير برواية شفاء الأعمى في أريحا. هي المعجزة الأخيرة التي سوف يقوم بها يسوع قبل دخوله الى أورشليم. لقد حافظ مرقس حتى الآن على السرّ المسيحانيّ، فيسوع يطلب دوماً من الّذين شفاهم ومن التلاميذ عدم إعلان هويّته، لا خوفاً من اليهود إنّما لأن الشعب لم يكن بعد مستعدّاً لفهم حقيقة هويّته ودوره، ولهذا صرخوا له أثناء دخوله أورشليم، ظنّاً منهم أنّه المخلّص العسكري والقائد اليهوديّ المزمع رفع النير اليونانيّ عنهم. إن السرّ المسيحاني لا يعتلن نهائيّاً إلاّ فوق الصليب وعلى لسان قائد المئة الرومانيّ: "لقد كان هذا حقّاً إبن الله" (15، 39). إنّما هذا الإعتلان النهائيّ يمهّد له مرقس رويداً رويداً بطريقة تصاعديّة. فالشعب يقدر أن يفهم بواسطة الله نفسه الّذي يتدخّل ليفتح أعينهم، وهذا الحدث هنا، رواية شفاء الأعمى، الى جانب حقيقته التاريخيّة، ينطوي على بعدٍ لاهوتيٍّ مهمّ: لقد فتح الله عيني الأعمى كما فتح أعين الشعب ليصبحوا قادرين على فهم هويّة يسوع المسيح

الشخصيات في هذا النص
برتيماوس (إبن طيما): يوضِح لنا النصّ الانجيلي أن برتيماوس كان متسوّلاً أعمى "جالس على جانب الطريق" يستعطي خارج أريحا، يطلب الحسنة من جمهور الحجاج الذاهبين إلى مدينة أورشليم لِقضاء عيد الفصح. في كُلِّ الشِفاءات لم يُذْكَر إسمِ الشَخصِ المريض:النازِفة، ألابرص، المُخَلَّع. في هذا النص ذُكِرَ إسم ألاعمى. إن ذكر الإسم قد يكون دليلاً على اتّباع هذا الشخص ليسوع ودخوله في الجماعة الكَنَسِيَّة
الجموعكما في رواية الإمرأة النازفة، وفي رواية الكسيح في كفرناحوم، وفي رواية زكّا العشّار، يشكّل الجموع حاجزاً بين الانسان الطالِب للشِفاء وبين يسوع المسيح. إنّهم مجموعة تتبع يسوع لأسباب شخصيّة، بدافع من الحشريّة أو طلباً لشفاء. لم يدخلوا حتّى الآن في سرّ هويّة يسوع المسيح، لم يقبلوا حقيقة المسيح المتألّم والمائت
التلاميذ:إنهم أشخاص تَبِعوا يسوع المسيح، إقتَنَعوا بمنطِقِه انّما لا يزالون على الحياد وغير مُدرِكين ماذا يَحدُث. إنّهم أشخاص في مسيرة تعلّم، أحياناً يفكّرون مثل الجموع، يريدون من يسوع تلبية رغباتهم، كما في النّص السابق لرواية الشفاء هذه حين يطلب ابنا زبدى من يسوع إجلاسهما عن يمينه وعن يساره في مجده (مر 10، 35-36)، وأحياناً أخرى كانوا يتجادلون في من هو الأعظم بينهم (مر 9، 33-37). 
في القسم ألاول من الاناجيل الازائية، تَبِعَ التلاميذ يسوع وهم لا يفهمون شيئًا، كان لكُلُّ واحِدٍ منهم نظرة خاصَّة حوله. منهم من كان يَعتَقِد أن يسوع جاء لِيُخَلِّصَهم من الاحتلال الروماني، ومنهم من رآى فيه معلّماً كسائر المعلّمين، وبطرس نفسه سَحَبَ السيف ليُدافِع عن يسوع ليلة أُسلِمَ إلى اليهود

الاماكن
أريحاتَقَع هذه المدينة في شرق الاراضي المُقَدَّسة على حدود الأردن وهي بالتالي ليست قريبة من أورشليم. لدينا هنا نَقْلَة جُغرافِيَّة. لا نَعرِف حتى الان ما الرابِط بين المِنطقتين انما سنجِد هذا الرابِط من خلال الآية الاخيرة في هذا النص:"وتَبِعَ يسوع في الطريق". هذه الطريق لم تَكُن قصيرة أو سهلة انما كانت طويلة. هي ليست فقط الطريق الجُغرافيَّة التي تربط أريحا بأورشليم إنما هي خاصًّةً الطريق الروحية، طريق التتلمذ ليسوع المسيح
أورشليم هي نقطة الوصول، هي مكان الألم والموت، مكان تمجيد يسوع على الصليب. لدى دخول يسوع اليها أعلنته الجموع مخلّصها وابن داود المُنتَظر، وأمام بيلاطس صرخوا ضدّه ليُصلب. إن أورشليم هي غاية المسيرة ومكان إتّمام فصح العبور من أرض الخطيئة الى أرض الميعاد، عبور يتمّ بدم يسوع المسيح المعلّق فوق الصليب. هذا النص يسبق دخول يسوع الى أورشليم، كتتميم لنبوءات العهد القديم في شخص يسوع المسيح

النوع الأدبيّ
يندرج هذا النص ضمن مجموعة معجزات الشفاء، وكسائر روايات الشفاء في إنجيل مرقس وفي الازائيين، يَتَكَوَّن هذا النّص من الاجزاء التالية
يسوع مَارًّا في الطريق 
التلاميذ مقابِل الجموع 
الشَخص المُحتاج 
نوع المَرَض أو الحاجة 
الانطلاق نحو يسوع 
إعلان الحاجة وطلب التدخّل (في أغلب الاحيان تُحاوِل الجموع وحتى التلاميذ إبعاد الشَخْص عن يسوع
تَدَخُّل من يسوع مع حوار بين الاثنين 
إعلان الايمان من قِبَلِ الشخص المُحتاج 
إعلان الشِفاء من قِبَل يسوع المسيح 

رأينا سابِقًا، في إنجيل مرقس وفي الاناجيل الازائيَّة، يسوع المسيح يمنع الشخصَ المُحتاج من إعلان هويّته ونشر خبر المعجزة. هذا ما سُمِّيَ بالسِرِّ المسيحاني في إنجيل مرقس وأخذه عنه الإزائيّيَن الآخَرَين. أمّا هنا فلا نجد لهذا السرّ المسيحانيّ من أثر: لقد بدأ المسيح يعلن سرّ هويّته تمهيداً للإعتلان الأعظم على الصليب. من خلال شفاء الأعمى بدأ الرّب "يفتح عيون الشعب ليبصروا ويعودوا إليه فيشفيهم". لهذا السبب نجد سلسلة من الإعتلانات في هذا الجزء من الإنجيل: الدخول الى أورشليم (مر 11)، يسوع يعلن عن خراب الهيكل والتحذيرات حول الخراب العظيم ومجيء ابن الإنسان (مر 13) وصولا الى أحداث الآلام والقيامة
لهذا السبب لا نجد أثراً للسرّ المسيحانيّ في هذا النّصّ: لقد صَرَخ الاعمى بأعلى صَوتِه، وبأكبَر لَقَب مسيحاني مُمكِن أن يُطْلَقَ على إنسان يهودي، "يا ابن داود" أي المسيح المُنتَظَر. اليهود يَعرِفونَ العَهدِ القَديم وتَحْديدًا سِفر صَموئيل الثاني ويُدرِكون ما هي نُبُوءَة ناتان وَيَعْرِفون الوَعْد الذي قَطَعَهُ الله منذ ألفين سنة للشعب الاسرائيلي بأن يُرسِل من نسل داود مَن يَجْلِس على عَرْشِه إلى الابد ولا يَكون لِمُلْكِهِ إنقِضاء. بِقولِهِ هذه العِبارة "يا ابن داود ارحمني"، يُعَرِّضِ الاعمى نَفسَه للرَجْمِ في مَجمَعِ اليهود لانه أطلَقَ إسمِ المسيح ابن داود على شَخص مارّ في الطَريق بِرِحلة حَجّ من الجليل إلى أورَشليم في عيد المَظال. هذا الصِياح ما هو إِلاَّ مقدّمة لهتافات الجموع عندما دَخَلَ يسوع أورشليم كَمَلِكٍ ظَافِر: "هوشعنا! تبارك الآتي باسم الربّ!تباركت المملكة الآتية، مملكة أبينا داود!هوشعنا في العلى!" 

"
جالِسًا على جانِبِ الطريق
جانب الطريقليست مُجَرَّد المكان الجُغرافي انما أيضًا الروحي . para tyn hodon عبارة نَجِدها ايضاً في مثل الزارع، حيث تسقط البذار على جانب الطريق وتبقى عقيمة. البِذار المُلقاة إلى جانِبِ الطريق بَقيت خارِج سِرّ يسوع المسيح، بَقِيت para وبالتالي لا يُمكِن أن تَلتَقي مع يسوع المسيح
في هذا النَصّ إِنتَقَلَ الاعمى من قارِعَة الطريق إلى إِتِّباع يسوع. لقد كان الأعمى على هامش الوجود. إنه شخص فاقِد للمركز الاجتماعي وللهوية والمُستقبل
جالِسًاكان جالِسًا لِمُدَّةٍ طويلة وكان بقي جالساً هناك لولا مرور يسوع في حياته. نوعية الفعل اليونانيّ تَدُلّ على الجمود والثَبَات وهذا قبلَ أن يَلتَقي بيسوع المسيح. بعد وصول يسوع المسيح تَغَيَّرت نوعِيَّة الافعال: "ألقَى رِداءَهُ وقام وجاء" هناك إنتِقال مِن حالَة الجُمود الذي كان يَعيش فيه الاعمى إلى حالة الحَرَكة، إنتِقال من حالة الانسان المُهَمَّش إلى حالَة الانسان الذي وَجَدَ هَوِيَّتَهُ، وَجَدَ الطريق الذي يجِب أن يَسْلُكَها وهي طريق يسوع المسيح
هذا النَصّ هو نَصّ رابِط بين مرحلة ومرحلة أُخرى أو بين قِسم من الانجيل وقِسم آخَر أو يُسَمَّى أيضًا النص الجِسر. يُمَهِّد مرقس من خلال هذا النص للاحداث التي سَتَتِمّ لاحِقًا بطريقة رَمْزِيَّة، من هنا الاختلاف بين هذه المُعْجِزة وسَائِرِ المُعجِزات. في هذه المُعْجِزة نَجِد إنتقال من العَمَى إلى الرؤيا تَحقيقًا لِنُبُوءة أشِعيا ("في تلك الايام عندما يأتي المسيح العُميُ يُبصِرون والاعرج يَقفِزُ كالأيِّل). استعملَ مرقس الفعل نَفْسُه: فَوَثَبَ وَرَكَضَ عليه. هذا الانتقال من حالة العَمَى إلى حالة الرؤيا ليست مُجَرَّد حادِثة مع برتيماوس، الشعب كُلُّه قد أصبَحَ بإمكانه الانتقال من حالة عَدَم رؤيَة حَقيقة يسوع المسيح إلى حالة رؤية يسوع المسيح الحقيقي ابن داود بالصورة التي يجب عليهم أن يَروه فيها وليس حسب تَصَوُّرِهِم. يسوع المسيح ليس القائد العسكري الذي أتى لكي يُبيد الرومانيين وليس صانِعِ المُعْجِزات فقط إنما هو يسوع المسيح تتمة نُبُوءات العهد القديم

رَمَى رِداءَه 
الرِداء لدى الشَحاذ هو كُلّ ما يَمْلِكُ، ليس فقط من الناحية الماديّة انما أيضا من ناحية المَقَام والمَركَز الاجتِماعي. الرِداء يُظهِر مَقام الانسان ويُظهِر أن لديه هوية رغم فَقرِه. بتركه ردائه، ترك الأعمى كلّ شيء في سبيل إتّباع يسوع المسيح. وفي الحادِثة التي تلي شِفاءِ الاعمى، أي رواية دخول يسوع الى أورشليم, نجد العمل ذاته يتكرّر: رمى الناس رِداءَهم على الطريق أمام يسوع. صَرَخَ الاعمى يا ابن داود ارحمني وصَرَخَ الشعب مُبارك المسيح ابن داود، هوشعنا يا رَبّ خَلِّصْنا.

وتَبِعَ يسوع في الطريق 
السير خلف يعني التتلمذ، سارَ الأعمى البصير خَلفَ يسوع في الطريق، تماماً كما فعل بطرس حين وجّه يسوع الدعوة نفسها اليه: قال له سِرْ خَلْفي. لقد صار الأعمى المشفيّ تلميذاً وبدأ يسير على الطريق التي سبقة بطرس في خطّها. هذه الطريق هي طريق اعتناق مَنْطِق يسوع المسيح والتَتَلْمُذ له والانطِلاق نحو أورَشليم إلى الموت والقِيامة، إنها دَعوة التلميذ المسيحي أن يسير خَلفَ يسوع المسيح نحو الموت والقيامة. هذا الانجيل كُتِبَ إلى جَماعة روما المُتَأَلِّمَة من الاضطهاد، وكان الكثير منهم يَجحدون الإيمان بسبب الاضطِهاد وخوفًا من الموت. وهنا يُعلِن مرقس لكنيسة روما أن التلميذ الحقيقي هو الذي يَختار السير وراء يسوع المسيح وصولاً إلى الموت

التأمّل
إن اختيار الكنيسة المارونيّة لإنجيل شفاء الأعمى في هذا الأحد السابق لأحد الشعانين هو ليس من قبيل الصدفة، فمسيرة الصوم هي مسيرة تعليميّة، وأناجيل الصوم، ولا سيّما أناجيل الآحاد تقودنا في هذه المسيرة نحو لقاء المسيح القائم من بين الأموات. فإذا أخذنا أناجيل الآحاد منذ مدخل اليوم ماذا نجد؟ 
-
أحد مدخل الصوم، عرس قانا الجليل، هو إعتلان يسوع وإيمان التلاميذ، أي بدء مسيرة التتلمذ على هدي صوت مريم: إفعلوا ما يأمركم به
-
الأحد الثاني من زمن الصوم، أحد شفاء الأبرص: هي بدء مسيرة التنقّي، البعيد عن المجتمع ينال شفاءه ويعود. هو الشفاء الإجتماعي والمصالحة مع العالم
-
الأحد الثالث هو أحد شفاء المنزوفة: الإمرأة النازفة التي كانت تحيا ألم حقيقتها بعيدة عن الناس، نالت الشفاء الداخليّ جاءت الى يسوع تلمس من الخلف رداءه، خوفاً من أن تنجّس ابن الله بعدم طهارتها، فجلبها يسوع الى الأمام، وقفت امامه، نظرت في عينيه وأعلنت أمام الجميع ما جرى لها. لم تعد ترى في ذاتها مصدر شقاء الآخرين، لم تعد تحيا خجل حقيقتها. هي المصالحة مع الذات
-
الأحد الرابع هو أحد الأبن الشاطر، هي حقيقة الإنسان البعيد عن الله يفتّش عن حريّته فيجد الشقاء في الخطيئة، ويعود الى حضن الآب تائباً. هو الأحد الّذي ينتصف الصوم، هو أحد التوبة والتوبة محوريّة في الصوم. هي المصالحة مع الله
-
الأحد الخامس هو أحد شفاء الكسيح، نال الشفاء بسبب إيمان الجماعة التي تحمله نحو السيّد. هو خلاص الرّب يتجلّى عبر الكنيسة، هي المصالحة مع الكنيسة، مع جماعة الإخوة
لأحد الأخير هو الأحد الّذي يفتتح أسبوع الشعانين، هو أحد شفاء الأعمى، هي نهاية رحلة التتلمذ، التلاميذ أعجبوا بيسوع مصدر الفرح في قانا وبدأوا مسيرة التتلمذ، مسيرة الشفاء والمصالحة مع العالم والمجتمع، المصالحة مع الذات، المصالحة مع الله، الإلتزام في الكنيسة. في ختام هذه المسيرة تتفتّح أعين التلاميذ، يصبحوا قادرين على فهم حقيقة معلّمهم. هم مدعوّون الى الدخول معه الى أورشليم عالمين أنّه ملك الكون والمخلّص الأوحد، لا القائد الزمنّي الّذي سوف يهتف له الشعب الّذي لم يفهم حقيقته. هذا هو صومنا، إنتقال من حقيقة يسوع صانع المعجزات، الى معرفة يسوع الفادي المتألّم حبّاً بنا
إيمان الإعمى وعقلانيّة الجموع: كم هو مثير للإهتمام أن "الجمع الكبير" الّذي كان يتبع يسوع ويهتف له قد "أخذ ينتهر الأعمى ليسكت". ما سبب اتّباع الجموع ليسوع إن لم يؤمنوا بقدرته على تبديل واقع الحياة؟ لقد آمن الأعمى بقدرة يسوع على نقله من عن جانب الطريق وإعادته الى وسط الحياة، من ظلمة العمى الداخلي الى نور لقاء الرّب في حياته
إن هذه الجماهير تشبه الى حدّ كبير جماهير المؤمنين بيسوع، يتبعون يسوع، اعتادوا عليه، صار في حياتهم أمراً روتينيّاً، أو يتبعونه لأنّهم يريدون أمراً ما، أو لشعور بحماية أو لخوف أو وسواس، إنّما في عمق أعماقهم لا يؤمنون بأن الرّب قادر على تبديل واقعهم وواقع الآخرين، ينتهرون من يؤمن بقدرة يسوع ويسكتونه بطرق شتّى: بالقمع، بالسخرية، بالتهميش أو بالشفقة أحياناً. لقد اعتادت جموعنا على يسوع في حياتنا اليوميّة الى حدّ جعلنا ننسى جمال لقاءه، ونفقد الإيمان بقدرته. نقدّم ضمانات عقلانيّتنا على ثقة الإيمان، نخاف أن نبدو حمقى، نخاف أن نصطدم بواقع عدم الوصول الى مبتغانا، نخشى الاّ يجيب يسوع سؤلنا، فلا نخاطر، لا نطلب، نبقى في خط المؤمنين التقليديّين، أي في خطّ من حصر إيمانه بيسوع في مجرّد تطبيق للوصايا وإتمام الواجبات، دون شوق وحبّ ورغبة. لقد كان هذا الأعمى البصيرَ الوحيدَ بين الجموع، كلّهم كانوا عمياناً أظلم قلبهم وخفتت ثقتهم ونسيوا جمال المغامرة مع يسوع. هو هتف مسبقاً نشيد الدخول الى اورشليم، صرخ: هوشعنا، أي خلّصني، هتف "يا ابن داود"، وألقى رداءه: أعمال سوف نراها تتكرّر بعد أيّام قليلة على يدّ الجموع التي تعلّمت من هذا الأعمى شجاعة إعلان الإيمان
لقد خطّ هذا الأعمى مسيرة إيمان على كلّ واحد منّا أن يسيرها
-
الإيمان هي حالة انطلاق من الهامش الى عمق الوجود، ومن حالة الظلمة الى حالة النور. لقد بدأ الأعمى بالسماع لا بالمعاينة، يسمع عن يسوع، يخبره الآخرون عن قدرته، وهو باقٍ على هامش الطريق. في ذلك اليوم مرّ يسوع من هناك، عابراً المدينة، فاغتنم الأعمى فرصته الوحيدة. الإيمان يدعونا الى تغيير حالة لا الى اعتناق عقيدة أو ايديولوجيا، هو تغيير حالة وجودنا الإنساني من حالة الثبات في الروتين، من حالة البقاء على هامش طريق الحياة، الى حالة الإنسان "الواثب" مثل الأعمى، يلقى عنه رداء عاداته، ومهنته، رداء حياته الفارغة وينطلق وراء يسوع، معلناً إيّاه المخلّص وطالباً منه الرحمة
-
الإيمان هو صرخة تنطلق نحو شخص لا نراه، إنّما نعلم أنّه موجود وأنّه قادر على تغيير واقع حياتنا. الأعمى لم ير يسوع بنور العين الجسديّة، إنّما آمن به، وبدافع من رجائه العميق وثقته بقدرة الرّب صرخ له: إريد أن أبصر. هي حقيقة إيماننا، لا ننطلق من المعاينة لنفهم، بل نؤمن بإله سمعنا عنه كما سمع ذاك الأعمى عن قدرته، نعلم أنّه يدعونا فنثب وراءه، نسمع صوته، نعلنه مخلّصاً، فنبصر. مسيرة الإيمان تنطلق من دوماً من عدم المعاينة الى المعاينة، فلو كنّا نبصر ما نؤمن به لما كان إيماناً، لأضحى ضمانة ملموسة وحسيّة. لا يمكننا أن نفتّش عن الضمانات الحسيّة الملموسة لإيماننا، بل نثق ونؤمن، وعندها نبصر، لا بعين الجسد أو العقل، إنّما بواسطة الحبّ الّذي يبادلنا إياه الرّب. نلمس عمله في حياتنا، نختبر حضوره معنا، ينتشلنا مروره من هامش عبثية الحياة ليضعنا في صميم العلاقة الإلهيّة، يصبح لوجودنا معنى بدخولنا في علاقة مع السيّد
-
العوائق التي كادت تمنع الأعمى من الوصول الى يسوع هي نفسها تمنعنا من التعرّف الى يسوع يمرّ في حياتنا ويدعونا للسير وراءه على طريق أورشليم نحو الجلجلة والقيامة. لقد أخذ الجمع ينتهره ليسكت، وينتهرنا عالم اليوم لنسكت نحن أيضاً، يخنق منطق العصر فينا الرجاء، يغلقنا على منطق العنف والقوّة والحرب، أو على منطق المادّة والإستهلاك، أو على السعي الى لذّة عابرة تنتهي فنبدأ بالتفتيش عن أخرى. العالم ينتهرنا لأن منطق الإيمان هو لا منطق بالنسبة إليه. الإيمان هو منطق الضعفاء والحمقى، أمّا الأقوياء بأفكار قلوبهم فيفتّشون عن ضمانات حسيّة. والعائق الآخر كان يمكن أن يكون الثوب الّذي كان يملكه، مُلكه الأوحد. لو تعلّق به لكان خسر يسوع، لو خاف من خسارة من يملك لكان مرّ يسوع وعبر، لو خاف من فقدان المكان على قارعة الطريق أو من رمي الثوب والركض خلف يسوع، لما كان قد شُفي. هي عوائق إيماننا نحن أيضاً: كم يخيفنا منطق الترك والتغيير؟ كم نرغب بالثبات ولو كان هذا الثبات لا يلذّ لنا. دعوة الإيمان هي الترك والإنطلاق خلف يسوع. ترك أفكارنا الخاطئة، أو عاداتنا السيئة، أو خطايانا اليوميّة، أو منطقنا المغلوط. ترك كبريائنا أو حسدنا أو حقدنا أو كسلنا. اتّباع المسيح يستلزم كياناً قادراً على الوثب كما وثب ذلك الأعمى، كياناً غير خائف من التغيير، فإن لم نتخلَّ عن ثقل ما نملك، لا يمكننا التتلمذ ليسوع
-
لقد أجاب يسوع على صراخ الأعمى فناداه. إن ديناميّة الإيمان تنطلق من نعمة الرّب، من مروره في حياتنا، هو دوماً صاحب المبادرة، مبادرةٌ تبقى عقيمة إن لم يقبلها الإنسان ويستجيب لها. مرور يسوع يجعلنا "ننهض"، نقوم من رتابة واقعنا، ننهض من تحت أثقال حياتنا، صوته يجعلنا نقلب معادلات حياتنا، نتحوّل من أعمى القى بذاته على هامش طريق الحياة الى كائن واثب وثبة الإيمان، كائن شجاع يترك كلّ ما يملك ليتبع يسوع، ليتتلمذ له. الجموع التي كانت تنهره ليصرخ قد بدّلت منطقها أيضاً، صارت صوتَ يسوع نفسه، تحوّلت بفضل الرّب من حاجز أمام الأعمى الى وسيلة تساعده للوصول الى السيّد: "تشجّع وقم فهو يدعوك"، السبب الأوّل هو دعوة الرّب، دعوة تحتاج لشجاعة في سبيل إتمامها، شجاعة في المغامرة، فيسوع لا يعطي ضمانات ملموسة، يطلب ثقة الصداقة، يطلب حريّة القلب وشجاعة الحبّ. عندها فقط يمكن لكياننا أن يقوم ويتتلمذ، ودون الشجاعة يبقى كياننا ميتاً كجثة تتخبّط في بحر حياة دون هدف ودون رجاء
-
الإيمان هو لقاء خاصّ بيسوع المسيح، لم يعد مجرّد سماع عنه، بل هو اكتساب للرؤية من أجل معاينة الرّب وجهاً لوجه: النعمة الحقيقيّة ليست اكتساب النظر، بل هي رؤية يسوع، اكتساب النظر ما هو الاّ وسيلة، والنعمة الحقيقيّة هي رؤية يسوع الّذي سمعنا عنه كثيراً من الآخرين. اكتساب النظر هو الإيمان، والإيمان وسيلة تنتهي مع انتهاء حياتنا، وسيلة لا نحتاجها في العالم الآخر فسوف نعاين الرّب وجهاً لوجه. ما يبقى هناك هو الحبّ، هو النظر في عينيّ يسوع المسيح دون خجل. ما تمّ مع الأعمى هنا ما هو إلاّ استباق بسيط لما هو مدعوّ اليه في علاقة أبديّة لا تنتهي

نتيجة الإيمان التتلمذ، فلا يمكننا أن نسمح أن يكون لقاؤنا بالرّب عقيماً، إيماننا هو فعل التزام بالطريق التي يسير عليها السيّد، وهي ليست سهلة. قام وتبعه في الطريق، الطريق التي سوف تقوده الى الجلجلة، الى ألم الصليب، الى ظلمة القبر، والى القيامة. درب إيماننا وتتلمذنا ليسوع لا بدّ أن تنطوي على هذه كلّها. لا بدّ أن يكون إيماننا سبب ألم لنا، يتطلّب تضحيات وأعمال بطولة، يمنعنا من التفتيش عن الطريق الأسهل، ويجعلنا نسعى الى الخير رغم التضحيات الكبيرة. إيماننا يقودنا الى طريق الجلجلة، الى سخرية الآخرين كما سخر الجنود من يسوع وضربوه بقصبة على رأسه كعبد حقير. قد نصل في إيماننا الى ظلمة القبر، كلّ شيء حالك مظلم حولنا، لا نجد أجوبة على اسئلة كثيرة نطرحها، نظن أنفسنا وحدنا دون إله يقودنا ويحمينا، هي ظلمة الإيمان تشابه ظلام القبر حيث يرقد السيّد. إنّما لا بدّ أن يسطع نور القيامة، لا بدّ أن نخرج من ظلمة قبرنا، إذ تستطع علينا أنوار قيامة. السيّد.

.

زمن الصوم

 

shefa2moukhalla3

الاحد الخامس: شفاء المخلع

 

الرسالة:

(1 تيم 5: 24- 6: 5)

مِنَ النّاسِ مَن تَكونُ خَطاياهُم واضِحَةً قَبلَ الحُكمِ فيها، ومِنهُم مَن لا تَكونُ واضِحَةً إلاّ بَعَدهُ. كَذلِكَ فإنَّ الأعمالَ الصّالِحَةَ هي أيضًا واضِحة، والتي هيَ غَيرُ واضِحَةٍ فلا يُمكِنُ أن تَبقى خَفيّة.على جَميع الذينَ تَحتَ نيرِ العُبوديَّةِ أن يَحسَبوا أسيادَهُم أهلاً لِكُلِّ كَرامَة، لئلاّ يُجَدَّفَ على اسمِ اللهِ وتَعليمِهِ. أمّا الذينَ لَهُم أسيادٌ مؤمِنونَ، فلا يَستَهينوا بِهِم، لأنَّهُم إخوة، بَل بالأحرى فَليَخدُموهُم، لأنَّ المُستَفيدينَ مِن خِدمَتِهِم الطيِّبَةِ هُم مؤمِنونَ وأحِبّاء، ذَلِك ما يَجِبُ أن تُعَلِّمَهُ وتَعِظَ بِهِ. فإن كانَ أحَدٌ يُعَلِّمُ تَعليمًا مُخالِفًا، ولا يَتَمَسَّكُ بالكَلامِ الصَّحيح، كَلامِ رَبِّنا يَسوع المَسيح، وبالتَّعليمِ الموافِقِ لِلتَقوى، فَهوَ إنسانٌ أعمَتهُ الكِبرياء، لا يَفهَمُ شيئًا، بَلْ مُصابٌ بِمَرَضِ المَجادَلاتِ والمُماحَكات، التي يَنشأُ عَنها الحَسَدُ والخِصامُ والتَّجديفُ وسوءُ الظَنّ، والمُشاجَراتُ بَينَ أُناسٍ فاسِدي العَقلْ، زائعينَ عَن الحَق، يَظُنّونَ أنَّ التَقوى وَسيلَةٌ لِلرِبِح.

 

 

الانجيل:

(مر 2: 1 – 12)

عادَ يَسوعُ إلى كَفَرناحوم. وسَمِعَ الناسُ أنَّهُ في البيت. فتَجَمَّعَ عَدَدٌ كبيرٌ منهُم حتى غَصَّ بِهِم المَكان، ولَمْ يَبقى مَوضِعٌ لأحَدٍ ولا عِندَ الباب. وكانَ يُخاطِبُهُم بِكَلِمَة الله. فأتَوهُ بِمُخَلَّعٍ يَحمِلُهُ أربَعَةُ رِجال. وبِسَبَب الجَمعِ لَم يَستطيعوا الوصولَ بِهِ إلى يَسوع، فَكَشَفوا السَقفَ فَوقَ يَسوع، ونَبَشوه، ودَلَّوا الفِراشَ الذي كانَ المُخَلَّعُ مَطروحًا عَلَيه. ورأى يَسوعُ إيمانَهُم، فَقالَ لِلمُخَلَّع: "يا ابني، مَغفورَةٌ لَكَ خَطاياك!". وكانَ بَعضُ الكَتَبَةِ جالِسينَ هُناكَ يُفَكِّرونَ في قُلوبِهِم: "لِماذا يَتَكَلَّمُ هذا الرَجُلُ هكذا؟ إنَّهُ يُجَدِّف! مَن يَقدِرُ أن يَغفِرَ الخَطايا إلاّ اللهُ وَحدَهُ؟". وفي الحالِ عَرَفَ يَسوعُ بِروحِهِ أنَّهُم يُفَكِّرونَ هكذا في أنفُسِهِم فَقالَ لَهُم: "لماذا تثفَكِّرونَ بهذا في قُلوبِكُم؟ ما هو الأسهَل؟ أن يُقالَ لِلمُخَلَّع: مَغفورَةٌ لَكَ خَطاياك؟ أم أن يُقال: قُم واحمِل فِراشَكَ وامشِ؟ وَلكَي تَعلَموا أنَّ لابنِ الإنسانِ سُلطانًا أن يَغفِرَ الخَطايا على الأرض"، قالَ لِلمُخَلَّع: "لَكَ أقول: قُم، إحمِل فِراشَكَ، واذهَب إلى بَيتِكَ!". فَقامَ في الحالِ وحَمَلَ فِراشَهُ، وخَرَجَ أمامَ الجَميع، حتى دَهِشوا كُلُّهُم ومَجَّدوا اللهَ قائلين: "ما رأَينا مِثلَ هذا البتَّة!".

 

 

تأمل في الانجيل:

في هذا الأحد الخامس من الصوم الكبير نتأمّل في شفاء جديد، ليس كسائر آيات الشفاء التي قام بها يسوع. إن أناجيل الشفاءات تسلّط الضوء لا على عدد العجائب إنّما على مميّزاتها: فشفاء الأبرص كان شفاء اجتماعياً وإعادة قبول المهمّش في داخل الجماعة، وشفاء المنزوفة كان شفاء الإيمان اللاّمس، كان شفاء قبول الذات، وعودة الإبن الشاطر كانت شفاء الرّوح عبر التوبة، وفي هذا الأحد نجد ميزة جديدة، هي الكنيسة التي تحمل المتألّم نحو الرّب لينال الشفاء، والكسيح ينال الخلاص بسبب إيمان من يحمله الى المخلّص. 


موقع النّص من الإنجيل: 

يقع هذا النّص من ما يُسمّى قسم الجدالات الجليليّة (2، 1- 3، 6)، وهو قسم يتمحور حول يسوع المبشّر بالملكوت وعلماء الناموس المتربّصين له دوماً. أهميّة هذا الجزء هو في أنّه جزء تحضيريّ للقسم الأخير من الإنجيل: موت يسوع. فعناصر الإتّهام الّتي نجدها هنا، مثل تهمة التجديف (آ 7) وجزاؤها الموت، سوف تعود لتظهر في محاكمة يسوع. 
يفتتح مرقس رواية شفاء الكسيح بعبارة: وبعد أيّام قليلة رجع يسوع الى كفرناحوم وعرف النّاس أنّه في البيت. إشارة زمانيّة وإشارتان مكانيّتان، إشارات أدرج بواسطتها مرقس رواية الشفاء هذه في إطار الإنجيل بشكله النهائي. تعيدنا عبارة "بعد أيّام قليلة" الى الحدث الّذي يتّم قبل الأعجوبة، أي حدث شفاء الأبرص (1، 40-45) الّذي تمّ في مكان ما من الجليل (1، 39) والّذي انتهى بخروج يسوع الى مكان قفر هرباً من الجموع. 
نجد أن يسوع قد عاد الى كفرناحوم، وهو ما يعيدنا الى 1، 21، حين دخل يسوع كفرناحوم وعلّم في مجمعها وشفى رجلاً فيه روح نجس. وبقي يسوع في كفرناحوم حتى 1، 35 حين خرج الى مكان قفر للصلاة قبل انطلاقه في جولته الجليليّة. 
أمّا الإشارة الى البيت، مع "ال" التعريف، فتشير الى بيت معروف. الإشارة الوحيدة لبيت ما في هذا القسم الأوّل هو بيت سمعان حيث شفى يسوع حماة بطرس (1، 29). إنّما بعد هذا الإنتقال الجغرافيّ من كفرناحوم الى الجليل ثم العودة الى البيت، كان من المنطقيّ أكثر أن يعيد مرقس التذكير أن البيت هو بيت حماة سمعان بطرس. إنّما اغفال التحديد هو مقصود على الأرجح لهدف لاهوتيّ، لقد دمج مرقس بين البيت التاريخيّ، أي بيت حماة بطرس، وبين البيت كما كان يفهمه مؤمنو الكنيسة الأولى: الجماعة الكنسيّة. 

النوع الأدبيّ: 
يجمع هذا النّص في داخله ثلاثة أنواع أدبيّة تتعلّق بالعهد الجديد: 
- آية شفاء 
- فعل مغفرة لخاطئ يتوب 
- جدال مع اليهود حول هويّة يسوع 
في نصوص النوع المتعلّق بآيات الشفاء نجد تصميماً ادبيّاً للنّص يتكوّن من: 
- الإطار الزماني والمكانيّ وشرح حالة المريض: 2، 4 
- الطلب من يسوع، أو استدعاء يسوع للمريض (عمل الرجال الأربعة). 
- الشفاء (قم واحمل فراشك). 
- إظهار حقيقة الشفاء (فقام في الحال وحمل سريره) 
- نتيجة الشفاء: الدهشة والإيمان (فتعجّبوا كلهّم ومجّدوا الله). 
إنّما نجد أيضاً عناصر لرواية توبة ولو أنّها هنا ليست متكاملة العناصر، فالتائب لا يطلب ولا يفتح فاه، فالمبادرة هي ليسوع وحده كإجابة على "إيمان هؤلاء". 
بينما النوع الثالث فنجده أكثر تكاملاً من ناحية العناصر: 
- الإطار الروائي: زمان، مكان ومناسبة. 
- تعليم يسوع للجموع المحتشدة. 
- عناصر جديدة أو مثيرة لاستياء الفرّيسييّن ومعلّمي الشريعة. 
- إعتراض من قبلهم. 
- جواب يسوع 
- إظهار صحّة جوابه من خلال معجزة أو جواب لا يمكنهم دحضه. 
- رحيل معلّمي الشريعة وهم يضمرون شرّاً. 
هذه هي العناصر الإعتياديّة لنوع الجدل الأدبيّ، نجد عناصرة متكاملة هنا لأنّ الهدف الأساسيّ لنصّ المعجزة هو إظهار البعهد المسيحانيّ، أمّا عناصر النوعين الآخرين فجُعلا في خدمة هذا الهدف. 

تحليل النّص: 

فتجَمَّعَ مِنهُم عددٌ كبـيرٌ ملأَ المكانَ حتّى عِندَ البابِ، فوَعظَهُم بكلمة اللهِ 
إن عبارة "كلمة" في العهد الجديد هي تعبير يظهر بعداً كنسيّاً، فالكنيسة الأولى كانت تستعمل هذه العبارة للدلالة على رسالة المسيح. إعلان يسوع لكلمة الله في "البيت"، (وللبيت دلالة كنسيّة أيضاً حين كانت الكنيسة تجتمع في البيت لتأمّل الكلمة ولكسر الخبز) هو عمل ذات دلالة لاهوتيّة عميقة في الإنجيل، إعلان يلي الأعمال والمعجزات التي اجترحها في 1، 21-45 وتحضّر لشفاء الكسيح، الّذي من خلاله يظهر صدق تعليمه ومصدره الإلهيّ. بهذا المعنى يصبح لهذا الشفاء الجديد دلالة إعتلانيّة، هو يسوع الّذي يظهر صحّة تعليمه ومصدره الإلهيّ. إعلان يسوع يرتبط أيضاً بالكلمة التي نشرها الأبرص "في كلّ مكان" (1، 45)، وسوف يكون للكلمة المكان المحوريّ في أمثال يسوع، لا سيّما في مثل الزارع (4، 1-20) الّذي يدور حول فكرة قبول الكلمة ورفضها من قبل السامعين. 

وجاءَ إليهِ أربعةُ رِجالٍ يَحمِلونَ كسيحًا فلمَّا عَجِزوا عَن الوُصولِ بِه إليهِ لِكثرَةِ الزِّحامِ، نقَبُوا السَّقفَ وكشَفوا فوقَ المكانِ الّذي كانَ فيهِ يَسوعُ ودلُّوا الكسيحَ وهوَ على فراشِهِ 
الكسيح هي عبارة تشير الى أنواع عدّة من الإعاقات التي تطال قدرة الإنسان على الحركة، قد تكون العرج، أو الإعاقة النصفية أو الإعاقة الرباعيّة الكاملة. هذا النّص لا يوضح بطريقة مباشرة ماهيّة إعاقة هذا الرّجل، إنّما نستشفّ حالته من المعطيات الأدبيّة. هو بالضرورة غير قادر على السير، وبالتالي فإن مرضه يتخطّى حالة العرج وعدم القدرة على السير باستقامة، فهو يحتاج الى من يحمله وينقله من مكان الى آخر. لا يمكننا أن نجزم إن كان مرضه إعاقة كاملة أو نصفيّة، فهو لا يفعل شيئاً قبل الشفاء، ولا ينبس ببنت شفة في النصّ كلّه. هذا الصمت لا يشير بالضرورة الى إعاقته الكاملة وعدم قدرته على النطق، فصمته وإعطاءه دوراً ثانويّاً قد يكون مقصوداً من الكاتب عينه لغاية لاهوتيّة بحتة: شفاء هذا المريض كان نتيجة إيمان الجماعة التي تحمله، لا بسبب إيمانه هو فقط. 
تجدر الإشارة الى أن المجتمع القديم لم يكن يوفّر لمريضٍ من هذا النوع ما يقدّمه له المجتمع المعاصر من تأمينات صحيّة وخدمات (أقلّه المجتمع المتحضّر الّذي يحترم قيمة الإنسان)، بل كان عرضة للموت جوعاً أو بسبب المرض إن كان وحيداً دون عائلة تهتمّ به. 
عجز الرجال الأربعة عن الوصول الى يسوع بسبب الجمع، وهذا العجز عن الوصول هو لسبب أدبيّ أوّلاً، يدخل في تصميم رواية المعجزة لإعطاء الحدث التاريخيّ قالباً أدبيّاً شيّقاً من جهة، إنّما هو أيضاً ذو غاية لاهوتيّة تعليميّة: في هذا القسم الأوّل من الإنجيل، نجد دوماً "الجموع" قالباً واحداً ينتقل، يسير، يزحم يسوع، هي مجموعة من الأفراد التقوا يسوع وبدأوا مرحلة الإنتقال من حالة الجموع الّذين يقفون خارجاً، الى حالة التلاميذ الّذين هم حول يسوع. هذا الأمر نجد له توضيحاً في تفسير مثل الزارع في الفصل الرّابع: الّذين هم واقفون خارجاً يُعطوا أمثالاً، وحدهم من هم "حول يسوع" يقدرون أن يفهموا حقيقة الأمثال. 
لقد كان من الأسهل على حاملي الكسيح رفعه الى السقف من أن يصلوا الى باب البيت، هو أمر غريب بالنسبة إلينا اليوم، إنّما يجب أن نفكّر بالبيت الفلسطينيّ القديم، ذات السقف المنخفض والمصنوع من الطين، وبالتالي يمكن ثقبه بجهد يسير. إنّما يمكن أن يكون تواجد يسوع في الباحة التقليديّة للبيت الفلسطينيّ القديم، الّتي كانت تستعمل كقاعة جلوس خارجيّة، بين أعمدة خشبيّة تحمل دعائم وتُغطى بالأعشاب والأغصان. إنّما بسبب استعمال فعل
exorusso اليونانيّ، ويعني حفر وليس فقط ثقب، نرجّح أن يكون الرجال قد ثققبوا سقف البيت الترابيّ. لم تكن غاية مرقس إيضاح ماذا ثقبوا إنّما سلّط الضوء على الدافع (الإيمان) والنيّة (تقديم المريض للمعلّم) والنتيجة (الشفاء). 
لقد قدّم الرجال المريض وهو على سريره أمام يسوع، إستطاعوا إيصاله الى يسوع، إنّما أوصلوه مع صليبه، فالإنسان غير قادر على تحرير الآخر من مشاكله وآلامه وصلبانه، بل هو مدعوّ الى حمله، الى مساعدته ليصل الى الخلاص، والخلاص يكون فقط بعطيّة من الله، وإن كان من خلال الجماعة. 

فلمَّا رأى يَسوعُ إيمانَهُم قالَ للكسيحِ: "يا اَبني، مَغفورَةٌ لكَ خَطاياكَ" 
لقد حمل هؤلاء الأشخاص الكسيح لينال الشفاء من يسوع، فإذا بيسوع يجيب على إيمانهم بمغفرة خطايا الكسيح. لم يعطه الشفاء الجسدّي مباشرة، ولا نعلم عن أية خطايا يتكلّم يسوع، فنحن لسنا نعرف شيئاً عن الرّجل سوى أنّه كان كسيحاً. 
لقد أجاب يسوع بطريقة غير مباشرة على منطق المجتمع بأسره، كبّتهم وأنّبهم على طريقة تفكيرهم بغفرانه للكسيح. فالمنطق اليهوديّ القديم كان يعتبر أن المريض هو في حالته هذا بسبب خطايا اقترفها، أو اقترفها أهله او واحد من سلالته، وأن المرض هو عقاب الله له. بطريقة أخرى، كان المنطق هذا يتّهم الله، يعتبره مصدر ألم ومرض وموت، هو أله يضرب ويعاقب لا إله العهد الّذي دعا الشعب كلّه الى الخلاص. 
إن ربط المرض بالخطيئة لا يجد له أصلاً في الكتاب المقدّس وإن كان تفكيراً شائعاً عند اليهود الأقدمين، وحتى عند معلّمي الشريعة. هذه النظرة يدحضها يسوع في يو 9، 1-3 "وبَينَما هوَ في الطَّريقِ، رأى أعمى مُنذُ مَولِدِهِ. فسألَهُ تلاميذُهُ: "يا مُعَلِّمُ، مَنْ أخطأَ؟ أهذا الرَّجُلُ أم والداهُ، حتى وُلِدَ أعمى؟" فأجابَ يَسوعُ: "لا هذا الرَّجُلُ أخطَأَ ولا والداهُ. ولكنَّهُ وُلِدَ أعمى حتّى تَظهَرَ قُدرةُ اللهِ وهيَ تَعمَلُ فيهِ". لا بدّ أن هذه النظرة اليهوديّة تجد جذورها في سفر التكوين، وبالتحديد في خطيئة آدم وحوّاء، فبما أنّ الخطيئة ولدت الموت والألم، فلا بد أن الألم مصدره خطيئة الإنسان، وبالتالي صار اليهود يربطون الأمراض الجسديّة كلّها بالخطيئة، وصار المريض حكماً إنساناً خاطئاً. 
يبدو أن مرقس يصرّ على ربط المعجزة بإيمان الرجال الأربعة، وذلك من خلال تهميش دور المريض، فهو لا يأخذ المبادرة، لا يطلب، لا يتكلّم ولا يشكر حتىّ، بل يحمل سريره ويمشي، بينما الأهميّة كلّها تعطى لإيمان الأشخاص الّذين حملو المريض الى يسوع، هو البعد الكنسيّ يبغي مرقس إظهاره، دور الجماعة هو حمل الأكثر ضعفاً وفقراً ومرضاً أمام يسوع الشافي والغافر. 

وكانَ بَينَ الحُضورِ بعضُ مُعَلِّمي الشَّريعةِ، فقالوا في أنفُسِهِم: "كيفَ يتكَلَّمُ هذا الرَّجُلُ كلامًا كهذا؟ فهوَ يُجدِّفُ! مَنْ يَقدِرُ أن يَغفِرَ الخطايا إلاَّ اللهُ وَحدَهُ؟" 
يستعمل مرقس عبارة
en tais kardiais autwn "في قلوبهم" وهي عبارة تهدف الى إرسال القاريء الى العهد القديم: 
1صم 16، 7 فقالَ الرَّب لِصَموئيل: "لا تُراعِ مَنظَرَه وطولَ قامَتِه، فإِنِّي قد نَبَذتُه، لأَنَّ الرَّبَّ لا يَنظُرُ كما يَنظُرُ الإِنْسان، فإنَّ الإنْسانَ إِنَّما يَنظُرُ إِلى الظَّواهِر، وأَمَّا الرَّبُّ فإِنَّه يَنظُرُ إِلى القَلْب ". و 1مل 8، 39 "فآسمع أنت مِنَ السَّماءِ، مكان سُكْناكَ، وآغفِرْ وآعمَلْ وأجْزِ كُلَّ واحِدٍ بِحَسَبِ طرقِه، لأَنكَ تَعرِفُ قَلبَه ولأَنكَ أنت وَحدَكَ تَعرِفُ قُلوبَ جَميعِ بَني البَشَر"، وفي مز 7، 10 "لِيَكُفَّ شرُ الأَشْرار أَمَّا أَنتَ فثَبِّتِ الأَبْرار. إِنَّكَ فاحِص القُلوبِ والكُلى أيّها الإِلهُ البارّ"، في إر 11، 20 "فيا رَبَّ القُوَّاتِ الحاكِمَ بِالبِرّ الفاحِصَ الكُلى والقُلوب سأَرى آنتِقامَكَ مِنهم لِأَنِّي إلَيكَ بُحتُ بِقَضِيَّتي" و سير 42، 18-20 "إِنَّه سَبَرَ الغَمرَ والقَلْب ونَفَذَ إِلى مَقاصِدِها لأَنَّ العَليَّ يَعلَمُ كُلَّ عِلْم ونَظره على عَلاماتِ الأَزمِنَة. يُخبِرُ بِالماضي والمُستَقبَل وَيكشِفُ عن آثارِ الخَفايا. لا يَفوتُه فِكر ولا يَخْفى علَيه كَلام". 
يفصّل مرقس ردّة فعل علماء الشريعة على كلمات المسيح على ثلاث مراحل: 
- دهشتهم: ما بالُ هذا الرَّجُلِ يَتَكَلَّمُ بِذلك ؟ 
- حكمهم على كلماته: إنّه يجدّف 
- سبب حكمهم: فمَن يَقدِرُ أَن يَغفِرَ الخَطايا إِلاَّ اللهُ وَحدَه 
بين الدهشة والتفسير أعطى علماء الشريعة حكماً يستوجب الموت، فسفر اللاّويين يقول: "وكَلِّم بَني إسْرائيلَ قائلاً: أَيُّ رَجُلٍ لَعَنَ إِلهَه يَحمِلُ خَطيئَته. ومَن جَدَّفَ على آسمِ الرَّبّ، فلْيُقتَلْ قَتْلاً: تَرجُمُه كُلُّ الجَماعةِ رَجْماً، نَزيلاً كانَ أَوِ آبنَ البَلَد. إِذا جَدَّفَ على الاِسمِ يُقتَل" (لا 24، 15- 16). حكم العلماء هذا هو إعلان مسبق لما سوف يعلنه رئيس المحفل ساعة الحكم على يسوع (14، 64). 
إنّما تصرّف علماء الشريعة، على سلبيّته، قد جَعله مرقس في خدمة إعلان بنوّة يسوع الإلهيّة وإن بطريقة غير مباشرة: فالله وحده يقدر أن يغفر الخطايا، ويسوع غفر خطيئة هذا الرجل وأعطاهم دليلاّ حسيّاً وظاهراً على هذا الشفاء الداخليّ من خلال الشفاء الخارجيّ، فأُعلنت ألوهة يسوع المسيح بواسطة أعداءه الّذين سوف يعملون على أيصاله الى الموت صلباً. 

فَعَلِمَ يسوعُ عِندَئِذٍ في سِرِّهِ أَنَّهم يقولونَ ذلك في أَنفُسِهم، فسأَلَهم: "لماذا تقولونَ هذا في قُلوبِكم فأَيُّما أَيسَر؟ أَن يُقالَ لِلمُقعَد: غُفِرَت لكَ خَطاياك، أَم أَن يُقال: قُم فَاحمِلْ فِراشَكَ وَآمشِ ؟ فلِكَي تَعلَموا أَنَّ ابنَ الإِنسانِ له سُلطانٌ يَغفِرُ بِه الخَطايا في الأَرض"، ثُمَّ قالَ لِلمُقعَد: أَقولُ لكَ: قُمْ فَاحمِلْ فِراشَكَ وَاذهَبْ إِلى بيتِكَ". 
معرفة يسوع لما يفكّرون به في قلوبهم تظهر حقيقة بنوّة يسوع الإلهيّة، وهي بالتالي ذات بعد مسيحانيّ، لقد بدأت الرموز تتوضّح رغم أن السرّ حول هويّة يسوع كمسيح الله لا يعتلن قبل موت يسوع على الصليب. إن هذه المعرفة لأفكار القلوب، والتي تقول آيات العهد القديم التي ذكرناها سابقاً أنّها من ميزات الرّب الإله، الى جانب المعجزات والشفاءات التي تمّت وسوف تتمّ، هي إشارات اعتلانيّة غير مباشرة لهويّة يسوع الإلهيّة. 
ميزة أخرى محوريّة في هذا النّص هي مغفرة الخطايا، فالله وحده يقدر أن يغفر خطيئة الإنسان، والمسيح جاء يتممّ هذه الحقيقة. إزاء رفض المعلّمين لهذه الإشارة، أعطاهم يسوع تأكيداً، هو تأكيد الأسهل بواسطة الأصعب وتأكيد غير المُبَرهَن بواسطة المُبَرهَن عنه. من السهل أن يقال لمرء أن خطيئته قد غُفرت، أنّما هذه المغفرة لا يمكن أن نلمسها ونؤكّدها، بل هي موضوع إيمان وثقة بالله الغافر، أمّا المغفرة فمرئية ومحسوسة ولا يُمكن أن تُنكَر. إن الشفاء كان مجرّد دليل، ليس هو الأهم ولا العمل المحوريّ في هذا النّص. شفاء الإنسان من خطيئته هو الهدف الأعمق، أمّا الشفاء الجسديّ فتمّ من أجل إيمان الجماعة الحاضرة، كاعلان لقدرة المسيح فوق الخطيئة وفوق أثار الخطيئة كلّها: الموت والمرض والألم. 
إن يسوع يبدأ جملته ولا يكملها، وهو أمر مُستغرب من الناحيّة اللّغويّة إنّما هو عمل أدبيّ مرقسيّ يبغي من خلاله إيصال حقيقة مهمّة. يقول يسوع: " فلِكَي تَعلَموا أَنَّ ابنَ الإِنسانِ له سُلطانٌ يَغفِرُ بِه الخَطايا في الأَرض" ولا يُكمل شفهيّاً، إنّما تتميم معنى مع يقوله يتمّ عملياً من خلاله توجّهه للكسيح بقوله: " قُمْ فَاحمِلْ فِراشَكَ وَاذهَبْ إِلى بيتِكَ". 
نجد في اعتراض علماء الشريعة على كلمات المسيح تمييز بين "الإنسان" و"الله": " كيفَ يتكَلَّمُ هذا الرَّجُلُ كلامًا كهذا؟ فهوَ يُجدِّفُ! مَنْ يَقدِرُ أن يَغفِرَ الخطايا إلاَّ اللهُ وَحدَهُ؟" فأعطى يسوع جواباً واضحاً يرتبط بالإنتظار المسيحانيّ: " سأُريكُم أنَّ اَبنَ الإنسانِ لَه سُلطانِ على الأرضِ ليَغفِرَ الخَطايا" 
إن "السلطان" (
exousia) هي عبارة تتعلّق بالله، ويسوع ينسب السلطان الى شخصه هو، إنّما هذا السلطان هو على الأرض، فهل انقسم سلطان الله، فصار السماويّ خاضعاً لله والأرضي ليسوع؟ إن معنى هذه العبارة هو أن لا معنى لما يفكّر به العلماء في قلوبهم، فالمسيح هو على الأرض مُرسلاً من الله الآب، ويعمل كلّ شيء باسمه ولمجده، ومعفرة الخطايا والشفاء الجسديّ الّذي رافقها هنا ما هو الاّ تتميم لإرادة الله الخالق وإعادة الخليقة الى جمالها الأوّل. إن ابن الإنسان يصبح بهذا المعنى إيقونة الله الآب، صورته والعامل باسمه والمُتمّم الخلاص بمشيئة الله الآب. 
استعمل مرقس هذه العبارات بطريقة تذكّر القاريء بالعهد القديم، لا سيّما بنبوءة دانيال: ففي دان 7، 13- 14 نجد العبارتين نفسهما معاً: إبن الله والقدرة المعطاة له، فيقول دانيال: ورَأيتُ في مَنامي ذلِكَ اللَّيلَ، فإذا بِمِثلِ اَبْنِ إنسانٍ آتيًا على سَحابِ السَّماءِ، فأسرَعَ إلى الشَّيخ الطَّاعِنِ في السِّنِ. فقُرِّبَ إلى أمامِهِ 14وأُعطِيَ سُلطانًا ومَجدًا ومُلْكًا حتى تعبُدَهُ الشُّعوبُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ ولِسانٍ ويكونَ سُلطانُهُ سُلطانًا أبديُا لا يَزولُ، ومُلْكُهُ لا يتَعَدَّاهُ الزَّمنُ. هو إعلان آخر غير مباشر أن بيسوع المسيح قد ابتدأ الخلاص، وهذا الخلاص هو ثمرة المُلك الأبديّ الّذي سوف يكون ليسوع المسيح، إبن الإنسان. 
إذا أمعنّا جيداً في قراءة النّص، نجد أن الإتّهام الموجّه الى يسوع غير دقيق، فكلمة يسوع كانت: "لقد غُفِرَت خطاياك"، وهذا الإستعمال بصيغة المجهول يُدعى في أدب الكتاب المقدّس "المجهول الإلهيّ"، أي أن المتكلّم يستعمل صيغة المجهول لئلاّ يكرّر لفظ اسم الله، ولفظه كان ممنوعاً عند اليهود، ولا يزال ممنوعاً حتّى اليوم عند اليهود المحافظين. لقد قال يسوع عمليّاً "لقد غفر الله لك خطاياك" ليعلن أنّه يعمل في العالم باسم الله مصدر الخلاص. 
إنّما إزاء رفض المعلّمين لهذه الحقيقة، انتقل يسوع الى إعلان "سلطانه في هذا العالم"، فكانت أعجوبة الشفاء علامة لسلطانه على هذا الكون، هو اعتلان مسبق للمسيح ملك الكون وفاديه، مُلكٌ سوف يتحقّق بملئه فوق الصليب. 


التأمّل: 

"قامَ الرَّجُلُ وحمَلَ فِراشَهُ في الحالِ وخرَجَ بِمَشْهدٍ مِنَ الحاضِرينَ. فتَعجَّبوا كُلُّهُم ومَجَّدوا اللهَ وقالوا: "ما رأينا مِثلَ هذا في حَياتِنا!" 
غريب أمر هذا الكسيح، لم يفعل شيئاً، لم يطلب شفاءه، لم يُعلن إيمانه، لم يشكر الرّب على عطيّته، جلّ ما فعله هو تنفيذ أمر يسوع له، أن يحمل سريره ويذهب الى بيته. فالمقصود لم يكن إيمان الكسيح فحسب، بل الجماعة الحاضرة يومها، إنّما خاصّة الجماعة المؤمنة التي تقرأ النصّ وتتأمّل به. نقطة انطلاق النّص كانت جماعيّة، كنسيّة، ابتدأت في "البيت"، إشارة واضحة الى الكنيسة الأولى، وانتهت بإرسال الرّجل الى بيته، أي أن الإيمان والشّفاء الّذين نالهما هذا الكسيح لا يمكن أن يدفنا في بيت بطرس، أو ينتهيا لحظة مغادرة الجماعة، بل هي رسالة يحملها المؤمن المشفيّ، الّذي غفر له الله خطاياه، بأن ينقل ما ناله الى خاصّته، أن يكون رسول الشفاء والمغفرة.
والنّص قد ابتدأ أيضاً بالجماعة التي حملت الكسيح الى يسوع، إنّما انتهى بطريقة معاكسة تماماً: لقد حمل الكسيج الإيمان الى الجماعة "فدُهشوا وتعجّبوا ومجّدوا الله". لقد كان الكسيح بطلاً صامتاً، لم يتكلّم سوى بحمله إرادة الرّب: شفاه الرّب فشكره بوقوفه أمام الجماعة حاملاً هو السرير بعد أن حمله السرير سنيناً طوال. كما النازفة والأبرص، يقف أيضاً الكسيح أمام الجماعة ويعلن ما تمّ في حياته، فالشفاء لا يمكن أن يكون فرديّاً، ولا المغفرة أيضاً، بل هما نعمة ننالها لنغيّر من خلالها حياة الآخرين، ودون هذا العمل يكون ما فعله المسيح في حياتنا عقيماً. 
مغفرة الله هي مصدر كلّ شفاء: إن جسد الرجل الكسيح، غير القادر على الحركة، على أخذ المبادرة، على التحكّم بقراراته أو بمكان وجوده، هو الرجل الّذي انغلق وجوده بأسره على سرير لا يغادره، وعلى صدقة يطلبها، متعلّق كليّاً بحسنة الآخرين يرفعونه وينقلونه، كلّ هذا هو صورة ملموسة عن عمل الخطيئة في حياتنا: فالخطيئة التي غفرها يسوع لها النتيجة ذاتها، تتحكّم بنا، تمنعنا من الوصول الى الجمال الحق، والخير والأسمى والسعادة الأعمق. الخطيئة تجعلنا كسحاء غير قادرين على النموّ بالروح، بل تجعلنا مأسورين دوماً بحالتنا البعيدة عن الله، تعمي ضميرنا فلا نأخذ مبادرة العودة الى الله، نرتبط بواقع الخطيئة ولا نعود نقوى على الخروج منه. مثل هذا الكسيح، تغرقنا الخطيئة في ظلمة تحيط بنا، تنقطع كلّ علاقة وكلّ حوار مع الله، نلغيه من وجوداً رفضاً أو خجلاً أو يأساً. هي سواعد الأصدقاء حملت الكسيح نحو يسوع، وهي صلاة الكنيسة تحملنا نحو سماع كلمة المغفران الإلهيّة. الكسيح المتألّم سمع يسوع يناديه "يا بنيّ"، وبمغفرة الله نسمع الكلمة ذاتها نحن أيضاً. الله الّذي رفضناه وأغلقنا باب قلوبنا أمامه، هو نفسه ينادينا "يا بنيّ"، فالله لا ينسى محبّته ولا يتراجع في خلاصه، هو المنتظر دوماً. 
كما حمل الأصدقاءُ الأربعةُ الكسيح نحو السيّد، تحملنا الكنيسة نحن أيضاً نحو الشفاء. هذه السواعد التي ترفعنا هي صلوات القديّسين، إخوتنا الّذين سبقونا الى دار الآب ولا يزالون مصليّن لنا. هي القدّيسة الأعظو بين القديّسين، مريم أمّ يسوع، تضرع عنّا وتحملنا. 
هؤلاء الأصدقاء هم أسرار الكنيسة، أدوات الخلاص الملموسة، بواسطتها يوصل الرّب نعمته لكلّ واحد منّا. هي المعموديّة التي تدخلنا في حياة المسيح وتجعلنا أبناء لله، هة سرّ التثبيت الّذي يسمنا بالروح القدس ويجعلنا جنود للمسيح نعلن إنجيل بقوة الإيمان وثبات الرجاء وقدرة المحبّة، هي الإفخارستيّا التي توحّدنا بيسوع المسيح وبعضنا ببعض وتقودنا الى القداسة، نتحوّل الى صورة من نتناوله. هو سرّ التوبة يرفعنا عن سرير إعاقتنا الرّوحيّة ويهبنا أن نسمع كلمة المغفرة التي تحتاجها جراح نفسنا لتشفى، نسمعها من فم المسيح بواسطة رسوله. هو الكهنوت الّذي يقدّس عالمنا ووجودنا ويرفع تفاهة يوميّاتنا الى عظمة الألوهة. هو سرّ الزّواج الّذي من خلاله يقود الزوج زوجته والزوجة زوجها نحو المسيح، يتساعدان لتخطّي قساوة الخطيئة ويسيرا على دروب القداسة ليحملا من ثمّ المجتمع بأسره أمام المسيح ليسمع المغفرة ويتحوّل تدريجيّاً. سرّ المشحة هو أيضاً صديق يحملنا الى الشفاء والى نيل المغفرة، هو علامة مشاركة الكنيسة كلّها ألم المريض والصلاة من أجله والعمل على شفائه. 
صديقة لنا هي الصلاة أيضاً، صلاتنا اليوميّة التي تعبّر عن محبّتنا ليسوع، وعلى اهتمامنا لوجوده في حياتنا، هي إعلان دائم أنّنا بحاجة اليه، وأن صداقته ومحبّته أساسيّان بالنسبة لنا، فوجودنا يكون تافهاً وفارغاً إن غاب يسوع عن حياتنا. 
عائلتنا، أصدقاؤنا، رفاق عملنا، هم كلّهم أصدقاء يمكنهم أن يحملوني الى المسيح إن سمحت لهم بذلك، إن كان لديّ ما يكفي من التواضع لأسمح لهم بمساعدتي، بحمل سريري والسير نحو يسوع، ليضعوني أمامه فأنال الشفاء. 
الإيمان هو التزام وصراع روحيّ: لو عاد الأصدقاء أدراجهم أمام العائق الأوّل لما نال صديقهم الشفاء. لم يخشوا الجمع بل تحدّوه، تسلّقوا البيت وثقبوا السقف ودلّوا السرير أمام يسوع. هذا هو حالنا في حياتنا اليوميّة، عقبات تعترضنا، أسئلة لا نجد لها جواباً، تعترض على قسوة الحياة تضرب بريئاً فثور على الله ويتزعزع إيماننا، نمرض أو نفقد عزيزاً فنلقي بالّلائمة على الله، نمرّ بحالات ضيق أو خطر فيُغضبنا عدم تلبية الرّب لرغباتنا وحاجاتنا. هي كلّها عقبات أمام إيماننا كما كانت الجموع عقبة أمام الأصدقاء المؤمنين. هي عقبات نحن مدعوّون لتخطّيها، عالمين أن الله حاضر، وهو ينتظر، ويغفر ويشفي. 
عقبة أخرى أمام إيماننا هي جموع أيّامنا المعاصرة، كما كانت الجموع مشكلة أمام الأصدقاء والمريض. جموع اليوم يقفون حاجزاً بين عالمنا وبين المسيح، عالم اليوم يمنع الإنسان من الوصول الى المسيح، بعقليّة المادّية واللّذة والإستهلاك، بمنطق التفتيش عن الأسهل. ما يهم هو الوصول الى الهدف بقطع النظر عن طريقة الوصول وأخلاقيّتها. المؤمن هو الّذي يثبت حتى النهاية، لا يتوقّف أمام منطق يعاكس منطق المسيح، بل يسعى الى تحطيم الحواجز وتسلّق المرتفعات وثقب كلّ حاجز يمنعنا من أن نلقي بذاتنا المريضة أمام المسيح وننال الشفاء. لقد حمل الأصدقاء الأربعة صديقَهم المريض فنال الشفاء، وحملوا الجموع كلّها فمجّدوا الله، إن مثابرتهم وجهادهم أوصل رسالة المسيح الى الجمع فمجّد الله، وهكذا إيماننا اليوم، نحمل عالمنا المريض ونضعه أمام المسيح، نحمل شكّ إخوتنا وقلّة إيماننهم، ونجعلهم يمجّدون الله حين يرون فرح الشفاء الّذي نلناه من يد السيّد. 
ابن الإنسان له السلطان أن يغفر الخطايا على الأرض اليوم، ومن خلال الكاهن: إيماننا هو أن المسيح بعظيم رحمته اختار الرسل ليكملوا عمله على الأرض، واختار الكهنة ليكونوا باسمه خدّام الجماعة، يوصلون كلمة الرّب الى الإخوة، رسالة المغفرة الى الخطأة، شفاء القلب والجسد الى المتألّمين. إن المسيح لا يزال يعلن اليوم عن القدرة التي له على الأرض، فهل نحن فريسّيون جدد؟ هل نقول "من هو هذا ليغفر الخطايا"؟، وكم من مرّة نقولها بكبريائنا وقلّة إيماننا. إن الرّب قد أعطانا سرّ التوبة للشفاء الداخلّي، فلا نغلق أبواب قلوبنا أمامه، بل لنفتح له المجال ليعمل فينا، من خلال الكاهن العامل باسمه وبشخصه، وهكذا نكون مثل هذا الكسيح، نقف أمام الجماعة، معلنين بتوبتنا، وبشهادتنا للمسيح في صمت حياتنا اليوميّة، عظمة عطيّة الله، فيمجّدَ العالمُ اللهَ من خلالنا ويعلن "ما رأينا مثل هذا في حياتنا".

.

زمن الصوم

 

ebenshater

الاحد الرابع: الابن الشاطر

 

الرسالة:

(2 كور 13: 5 - 13)

إختبروا أنفُسكُم، هل أنتُم راسِخونَ في الإيمان. إمتحنوا أنفُسكُم. ألا تعرفون أنَّ المسيحَ يسوعَ فيكُم؟ إلاّ إذا كنتم مَرفوضين! فأرجو أن تعرفوا أنّنا نحنُ لسنا مَرفوضين! ونُصلّي إلى اللهِ كي لا تفعلوا أيَّ شَرّ، لا لنَظهَرَ نحنُ مقبولين، بل لكي تَفعلوا أنتمُ الخَير، ونكونَ نحنُ كأنَّنا مَرفوضين! فإنّنا لا نستطيع أن نَفعَلَ شيئًا ضِدَّ الحَق، بل لأجلِ الحَق! أجل، إنّنا نفرَحُ عندما نكونُ نحنُ ضُعفاء، وتكونونَ أنتُم أقوياء. من أجلِ هذا أيضًا نُصلّي لكي تكونوا كامِلين. أكتُبُ هذا وأنا غائب، لِئلاّ أُعامِلَكُم بقَساوَةٍ وأنا حاضِر، بالسلطان الذي أعطاني إيّاه الربّ، لِبُنيانِكُم لا لِهَدمِكُم. وبَعدُ، أيُّها الإخوة، إفرحوا، واسعَوا إلى الكَمال، وتَشَجَّعوا، وكونوا على رأيٍ واحِد، وعيشوا في سَلام، وإلهُ المَحَبّةِ والسلام يَكونُ مَعَكُم! سَلِّموا بَعضُكُم على بعضٍ بِقُبلةٍ مُقَدَّسة. جميعُ القدّيسينَ يُسَلِّمونَ عليكُم. نِعمَة الربِّ يسوعَ المسيح، ومحَبَّةُ الله، وشَرِكَةُ الروحِ القُدسِ معَكُم أجمَعين!

 

 

الانجيل:

(لو 15: 11-32)

"كانَ لِرَجُلٍ ابنان. فقالَ أصغَرُهُما لأبيه: "يا أبي، أعطِني حِصَّتي مِنَ الميراث". فَقَسَمَ لَهُما ثَروَتَهُ. وبَعدَ أيّامٍ قَليلة، جَمَعَ الإبنُ الأصغَرُ كَلَّ حِصَّتِهِ، وسافَرَ إلى بَلَدٍ بَعيد. وهُناكَ بَدَّدَ مالَهُ في حَياة الطَيش. ولمّا أنفَقَ كُلَّ شيء، حَدَثَتْ في ذَلِكَ البَلَدِ مَجاعَةٌ شَديدة، فبدأ يُحِسَّ بالعَوَز. فَذَهَبَ ولَجأ إلى واحِدٍ مِن أهلِ ذلِكَ البَلَد، فأرسَلَهُ إلى حُقولِهِ لِيرعى الخَنازير. وكانَ يَشتَهي أن يملأ جَوفَهُ مِنَ الخَرّوبِ الذي كانَت الخَنازيرُ تأكُلَهُ، ولا يُعطيهِ مِنهُ أحَدْ. فَرَجَعَ إلى نَفسِهِ وقال: "كَم مِنَ الأُجراءِ عِندَ أبي، يَفضُلُ الخُبزُ عَنهُم، وأنا هَهُنا أهلِكُ جوعًا! أقومُ وأمضي إلى أبي وأقولُ لَهُ: يا أبي، خَطِئتُ إلى السّماءِ وأمامَكَ. ولا أستَحِقُّ بَعدُ أن أُدعى لَكَ ابنًا. فاجعَلني كأحَدِ أُجَرائكَ!" فَقامَ وجاءَ إلى أبيهِ. وفيما كانَ لا يَزالُ بَعيداً، رآهُ أبوهُ، فَتَحَنَّنَ عَليهِ، وأسرَعَ فألقى بِنَفسِهِ على عُنُقِهِ وقَبَّلَهُ طَويلاً. فَقالَ لَهُ ابنُهُ: "يا أبي، خَطئتُ إلى السّماءِ وأمامَكَ. ولا أستَحِقُّ بَعدُ أن أُدعى لَكَ ابنًا..." فَقالَ الأبُ لِعَبيدِهِ: "أسرِعوا وأخرِجوا الحُلَّةَ الفاخِرَةَ وألبِسوه، واجعَلوا في يَدِهِ خاتَمًا، وفي رِجلَيهِ حِذاء، وأتوا بالعِجلِ المُسَمَّنِ واذبَحوه، ولنأكُل ونَتَنَعَّم! لأنَّ ابنيَ هذا كانَ مَيتًا فَعاش، وضائعًا فَوُجِد". وبَدأوا يَتَنَعَّمون. وكانَ ابنُهُ الأكبَرُ في الحَقِل. فلَمّا جاءَ واقتَرَبَ مِنَ البَيت، سَمِعَ غِناءً ورَقصًا. فَدَعى واحِداً مِنَ الغِلمانِ وسألَهُ: "ما عَسى أن يَكونَ هذا؟" فقالَ لَهُ: "جاءَ أخوك، فَذَبَحَ أبوكَ العِجلَ المُسَمَّن، لأنَّهُ لَقِيَهُ سالِمًا". فَغَضِبَ ولَمْ يُرِد أن يَدخُل. فَخَرَجَ أبوهُ يَتَوَسَّلُ إلَيه. فأجابَ وقالَ لأبيه: "ها أنا أخدُمُكَ كَلَّ هذه السِنين، ولَم أُخالِف لَكَ يَومًا أمراً، ولَم تُعطِني مَرَّةً جَديًا، لأتَنَعَّمَ مَع أصدِقائي. ولَكِن لمّا جاءَ ابنُكَ هذا الذي أكَلَ ثَروَتَكَ مَعَ الزَواني، ذَبَحْتَ لَهُ العِجلَ المُسَمَّن!" فَقالَ لَهُ أبوه: "يا وَلَدي، أنتَ مَعي في كُلِّ حِين، وكُلُّ ما هوَ لي هوَ لَكَ. ولَكِن كانَ يَنبَغي أن نَتَنَعَّمَ ونَفْرَح، لأنَّ أخاكَ هذا كانَ مَيتًا فَعاش، وضائعًا فَوُجِد."

 

 

تأمل في الانجيل:

تُدرج الكنيسة المارونيّة هذا النّص في الأحد الثالث من الصوم الكبير، أي في منتصف الصوم الكبير، ويحتلّ في إنجيل لوقا موقعاً مميّزاً، يتشابه وموقعه من الصوم، الموقع المحوريّ للإنجيل الثالث، فيلخّص في اثنتين وثلاثين آيةً قصّة الخلاص بأكملها، ويوضح طبيعة العلاقة بين العهد القديم والعهد الجديد، واكتمال القديم بمجيء يسوع المسيح كمخلّص أُعطي للبشريّة بأسرها لا لشعب واحد أو لأقلّية مختارة

موقع المثل من الإنجيل
هو الأخير من ثلاثة أمثال تؤلّف الفصل الخامس عشر من إنجيل لوقا، أمثال تدور حول فكرة الضياع: الخروف الضائع، الدرهم المفقود والإبن الضّال. وتشدّد هذه الأمثال على تفتيش المالك عن ممتلكاته، الراعي عن خروفه، والإب عن ابنه. تُختَتَم هذه الأمثال بحدث مشترك: الدعوة الى الوليمة والإحتفال، والتشديد على ضرورة الفرح (15، 6؛ 15، 9؛ 15، 32). هي أمثال الفرح المسيحانيّ، فرح الخلاص الّذي يتمّ بواسطة يسوع المسيح ويعكس البعد الإسخاتولوجيّ، الفرح الّذي سوف يتحقّق في ملكوت الله في وليمة عرس الحمل

قراءة تاريخيّة اجتماعيّة لهذا النصّ
في منطقنا المعاصر نقرأ هذا المثل فنتعاطف مباشرة مع الإبن الأصغر، نقدّر رحمة الآب وننتقد الإبن الأكبر ونحكم عليه بقسوة. هي ردّة الفعل الطبيعيّة للقاريء الّذي اعتاد سماع هذا المثل والتأمّل فيه على ضوء مفهومَي التوبة الإنسانيّة والرحمة الإلهيّة
لكيما نفهم هذا النّص بعمقه علينا أن ندخل في واقع هذه الشخصيّات الثلاثة ونضع أنفسنا في واقعهم الخاص

كانَ لِرَجلٍ اَبنانِ، فقالَ لَه الأصغَرُ: يا أبـي أعطِني حِصَّتي مِنَ الأملاكِ. فقَسَم لهُما أملاكَهُ 
هي قصّة والدٍ في بيئة قديمةٍ يعكس صورة الوالد رأس العائلة بحسب المفهوم الإسرائيليّ القديم، أي الممسك وحده زمام العائلة والمتحكّم بأدقّ تفاصيل حياة الأفراد الإقتصاديّة والإجتماعيّة. إنّما هو يمثّل أيضاً صورة الوالد Pater Familias بحسب الثقافة اليونانيّة الرومانيّة الّتي اتّجه اليها هذا النّص. هو ال Dominus السيّد، و Pater Familias رأس العائلة الآمر والناهي، المالك الأوحد لخيور العائلة كلّها، حتّى لما يكتسبه الإبن من عمله الخاص إن كان هذا الإبن لا يزال قاطناً المنزل الوالديّ. لقد كان هذا الموقع مركزَ سلطة ونفوذ يعطي الأب سلطة قانونيّة على أفراد العائلة وعلى العبيد والخدّام، وملكيّة حصريّة لكلّ المقتنى الماديّ
يخبرنا النصّ أن لهذا الأب ابنان، والأصغر يطالب بحصّته من الميراث، أي أنّه يطلب "القسمة". الخطأ الأوّل الّذي اقترفه الإبن الأصغر هو انّه يطلب ميراث أبٍ لا يزال حيّاً يُرزَق، يعلن موت الأب وهو لا يزال على قيد الحياة، بعبارة أخرى كان يقول ما معناه: "أنت ميت بالنسبة لي، فاعطني نصيبي من الميراث". إنّما قسمة الميراث لم تكن أمراً مستحيلاً وإن كان حصولها نادر في العالم القديم، فسفر يشوع بن سيراخ يحذّر منه: "لا تُوَلَ على نَفسِكَ في حَياتِكَ اْبنَكَ أَوِ اْمرَأتكَ أَو أَخاكَ أو صَديقَكَ ولا تُعْطِ آخَرَ أَمْوالَكَ لِئَلاَّ تَندَمَ فتَتَضرَّعَ إِلَيه بِها. ما حَييت وما دامَ فيكَ نَفَس لا تُسَلِّمْ نَفْسَكَ إِلى أَحَدٍ مِنَ البَشَر. فلأَن يَطلُبَ أَبْناؤُكَ مِنكَ خَيرٌ مِن أَن تَنظُرَ أَنتَ إِلى أَيدي أَبْنائِكَ. في جَميعِ أُمورِكَ كُنْ سَيِّدًا ولا تُلحِقْ عَيبًا بسُمعَتِكَ. عِندَ اْنقِضاءَ أيَّام حَياتِكَ وفي ساعةِ مَماتِكَ قَسِّمْ ميراثَكَ".( سير33، 20-24) وسفر طوبيّا يلحظه: "ثُمَّ خُذْ مِن هُنا نِصْفَ ما عِنْدي وعُدْ سالِماً إِلى أَبيكَ. وأَمَّا النِّصفُ الثَّاني فيَصيرُ لَكَ بَعدَ مَوتي ومَوتِ آمرأَتي" (طو 8، 21). قسمة الميراث هي أن يضع الوالد نفسه تحت سلطة أبنائه، وهو ليس بالأمر الحكيم في المجتمعات القديمة
بحسب شريعة موسى، لم تكن القسمة تتمّ بتوزيع الحصص بالتساوي بين الأبناء، بل كان يحقّ للإبن الأكبر بثلثي ميراث أبيه. يبدو من خلال هذا النّص عينه أن ميراث الأكبر لم ينتقل اليه حكماً بسبب القسمة، بل بقي الأب هو المسلّط عليه، وذلك لأن الميراث الأكبر المنتقل بالقسمة لا بموت الأب يصبح ملكاً للأبن إنّما يبقى في تصرّف الوالد لغاية الوفاة، أي أن الإبن يصبح المالك أمّا الوالد فالمستفيد من المال
إن ردّة فعل الإبن الأكبر تجاه عودة الأصغر مردّها الى أن الأكبر قد شهد على القسمة، وأخذ الأصغر الميراث وبدّده، بينما بقي الأكبر بمعيّة الأب يدير شؤون أمواله. ولدى عودة الأبن الأصغر خالي الوفاض فارغ اليدين من الأموال التي اقتنصها من ابيه، استقبله والدُه مجدّداً وألبسه الخاتم، علامة المشاركة في الأملاك. غضَبُ الإبن الأكبر كان لأنّه فهم ان ابيه يجعل من الأصغر شريكاً في الميراث من جديد، سوف يكون له الحقّ بثلث أملاك الأكبر مجدّداً
يحقّ للأكبر الغضب والتمرّد، فما تمّ في بيت الوالد يتنافى وعدالة الأرض، وهنا كلّ المغزى من المثل: عدالة الأرض العمياء تختلف عن عدل الآب السماويّ الرحوم، والله لا يدين البشر بحسب المنطق البشريّ القاسي، بل يعطي دوماً المجال للتوبة والعودة الى بيت الآب

وبَعدَ أيّامٍ قَليلةٍ، جمَعَ الابنُ الأصغَرُ كُلَّ ما يَملِكُ، وسافَرَ إلى بِلادٍ بَعيدَةٍ، وهُناكَ بَدَّدَ مالَهُ في العَيشِ بِلا حِسابٍ. فلمَّا أنفَقَ كُلَ شيءٍ، أصابَت تِلكَ البلادَ مَجاعةٌ قاسِيَةٌ، فوقَعَ في ضيقٍ. فلَجأ إلى العَمَلِ عِندَ رَجُلٍ مِنْ أهلِ تِلكَ البِلادِ، فأرسَلَهُ إلى حُقولِهِ ليَرعى الخنازيرَ. وكانَ يَشتَهي أنْ يَشبَعَ مِنَ الخُرنُوبِ الّذي كانَتِ الخنازيرُ تأكُلُهُ، فلا يُعطيهِ أحدٌ 
نعلم من النّص أن الأب كان يملك الحقول أيضاً (15، 25)، والمواشي، ويبدو أن ثروته كانت قائمة على العمل الزراعيّ. من الأرجح أن الإبن الأصغر قد حصل على الأموال وعلى ما يمكن حمله، لأنّه جمعه على عجل ورحل "بعد أيّام قليلة". يظهر لوقا من خلال هذا التحديد الزمانيّ ان الإبن قد حضّر مشاريعه مسبقاً، وقرّر بكامل إرادته وإثر تخطيط مسبق أن ينفصل عن الأب وعن البيت العائليّ. هي ليست الخطيئة المفاجئة العفويّة، بل الواعيّة والمخطّط لها جيّداً. وإزاء هذا كلّه لم يحاول الوالد أن يثني الإبن عن عزمه، بل قَبِل أن يكون ميتاً بالنسبة إليه، وأورثه وهو حيّ، وقَبِلَ أن يحتجب عن حياة الإبن ليتركه ينمو ويبني حياته، إنّما أيضاً ليعطيه مجال إختيار العودة الى الأب بقرار حرّ منه
تجدر الإشارة الى أن الهجرة ليست ظاهرة جديدة تختصّ بالمجتمعات المعاصرة، فنحن نعرف من المؤرّخين الرومان الأقدمين أن الإمبراطوريّة الرومانيّة كانت تشهد في زمن كتابة إنجيل لوقا حركة هجرة كثيفة من الأماكن الفقيرة القائمة على الزراعة وتربية الماشية الى المدن الكبرى والأماكن الغنيّة القائمة على التجارة خاصّة. لم يكن هؤلاء المهاجرون يتمتّعون بحقوق المواطن الرومانيّ. وحتى ولو انّهم كانوا أُجراء ولم يكونوا عبيداً، إلاّ ان وضعهم الإجتماعيّ لم يكن يختلف كثيراً عن وضع العبيد من الناحية المعيشيّة، لا بل ان العبيد في البيوت الغنيّة كانون يحيون أفضل من الأجراء والعاملين في الشؤون العامّة كالبناء والتجارة وفي الحانات والمصابغ. وكانت حالة هؤلاء الأجراء تسوء كثيراً في المجاعات والأوبئة التي كانت تضرب كثيراً العالم القديم، لأنّهم كانوا دون مدّخرات ودون مورد رزق ثابت، وغالباً ما كانوا يموتون جوعاً أو يضطرّون لبيع أنفسهم طوعاً كعبيد لكيما يستطيعوا البقاء على قيد الحياة. إن قرّاء إنجيل لوقا كانوا يعلمون جيّداً هذه الحالة، لذلك كانوا قادرين على فهم تعاسة الشّاب أكثر من القاريء المعاصر
إن مشكلة المجاعات في العالم الرومانيّ كانت تطال في أغلب الأحيان المناطق المركزيّة حيث الكثافة السكّانيّة المرتفعة، أمّا المناطق النائية القائمةُ معيشتها على الزراعة وتربية الماشية فكانت اقلّ تأثّراً. لا بدّ أن لوقا كان يملك هذه المعطيات كلّها ساعة تدوين هذا النّص. لقد بقي الأب وعائلته بمنأى عن هذه المجاعة، فإسرائيل القائمة بالإجمال على الزراعة وتربية الماشية كما المناطق المحيطة بها (فينيقيا، مصر وبلاد ما بين النهرين) كانت تُعتَبَر من الأماكن المصدّرة للمواد الغذائية، حتى دُعيت تلك المناطق، ومن بينها سهل البقاع، اهراءات روما. إمّا الإبن الأصغر، فبعد أن بدّد ميراثه، بقي دون مورد رزق وبحث عن عمل لا يليق وكرامة شعبه وبيت أبيه. الرعاية كانت عمل العبيد في روما، وكانت من المهن الوضيعة والمُحتقرة، حتى أنّ أربابها كانوا يُمنَعون من الشهادة في المحاكم ومن العديد من امتيازات المواطن الرّوماني إن كانوا رومانيّين. لقد انحدر الإبن الأصغر الى مصاف العبيد، حتى ولو أنّ النّص بذاته لا يشير الى أنّه قد صار عبداً فعليّاً يبيع ذاته في سبيل البقاء على قيد الحياة كما هي حال العديد من المهاجرين ومن الفقراء الرّومانيّين في أوقات المجاعة. إلاّ أنّه عمليّاً عاش عيشة عبد، يرعى الخنازير، ما يشكّل مخالفة لناموس موسى، وصار بالتالي نجساً. ويبدو أنّه كان دوماً مراقباً "فلا يقدر أن يملأ بطنه من طعام الخنازير". لقد فقد كرامته الإنسانيّة، فقد علاقته بابيه، فقد حرّيته التي ترك كلَّ شيء ليكتسبها، فقد رباط الأخوّة، وصارت علاقته بالبشر قائمة على منطق العبد والسيّد، هو مراقَب، مُستعبَد، أراد الحريّة ففقد قدرته على البقاء على قيد الحياة. لقد وصل هذا الفتى الى أقسى دركات الوجود الإنسانيّ، صار واحداً ضمن آلاف من العبيد المهمّشين، يدفنون أحلامهم ويصبح في أعلى سلّم أوّلويّاتهم البقاء على قيد الحياة، صار وجوده محصوراً بحياته الجسديّة
في نصّ اكتُشِف حديثاً، يعود الى زمن كتابة هذا النّص تقريباً، نقرأ كلمات شابّ مصري يبدو من إسمه Antonios Longos أنّه من عائلة ثريّة وحائز على المواطنيّة الرومانيّة، في رسالة يوجّهها الى والدته يقول: "أنا في العار، أحيا في الذّل، أكتب أليك وقد صرت دون مال كالعريان، أرجوك أن تصالحيني معك، فأنا أعرف ماذا استحقّت أعمالي، لقد نلت ما يكفي من العقاب وأعلم أنّي قد خطئت. ألا تعلمين أنّني أفضّل أن أكون أعرجاً من أن أكون ساقطاً تحت ديون؟ فتعالي بنفسك سريعاً". 
هي حالة الكثير من الشبّان يحلمون بالحريّة فيسقطون عبيداً لشرّ الآخرين ولسطوة منطق اللّذة والمال والإستهلاك، وفي حضيض تعسهم يفتّشون عن العضد الوحيد الوفيّ، عمّن يحبّهم لشخصهم لا لما يملكون. يفتّشون عن الآب السماويّ، عن الوالدَين والعائلة، فهم وحدهم ينتظرون ويغفرون، لأنّهم يحبّون كثيراً

فرَجَعَ إلى نَفسِهِ وقالَ: كم أَجيرٍ عِندَ أبـي يَفضُلُ عَنهُ الطَّعامُ، وأنا هُنا أموتُ مِنَ الجوعِ. سأقومُ وأرجِـعُ إلى أبـي وأقولُ لَه: يا أبـي، أخطَأتُ إلى السَّماءِ وإلَيكَ، ولا أستحِقُّ بَعدُ أنْ أُدعى لكَ اَبنًا، فعامِلْني كأَجيرٍ عِندَكَ 
فرجعَ إلى نفسِهبهذِهِ الكلمة يُعطي لوقا تفسيراً للخطيئة، هي الخروج عن الذّات، عن المنطق، عن العقل، هي حالة من يُصبح خارج كيانِهِ فاقداً لهويَّتِهِ وغير مالك لإرادتِهِ
عودة الإبن هذِهِ إلى ذاته هي أيضاً عودة روحيّة، الدّخول إلى عمق أعماق الذّات بضميرٍ نيِّر والحكم على صوابيّة القرارات التي اتَّخذها. يمكن للإنسان أن يتهرَّب من الإجابة على أسئلة الآخرين، إنمّا كيف يمكن للمرء أن يتجاهل صوت الضَّمير، حين يُصبح وجودُه دون معنى بسبب غياب الآب عن حياته، حين يُصبح وجوده مجرّد تدفّق أيّام دون معنى، تُستَهلك في البحث عن ملء البطن بخرّوب خنازير لا يوفِّر شبعاً للقلب السّاعي إلى معنى الحياة وإلى الحريّة المبتغاة
في لحظة العودة إلى الذّات قام الإبن الأصغر بمسيرة روحيّة ، مسيرة تحقّقت عبر مراحل خمسة
-
إعترف بخطيئتِه ضدَّ اللّه : لقد أخطأت إلى السماء 
-
إعترف بخطيئتِهِ ضدّ أبيه الأرضي : وأمامك 
-
تخلّى عن حقوق الإبن ، فهو يعرف أنّهُ قد نال حقّه قانونياً ولا يحقّ له بطلب ميراث آخر. يعلم الإبن جيِّداً أنَّ أباه قد قسم ميراثه ، وبالتّالي فلا بدّ من استعمال ميراث أخيه لإعالته في حال قبله، لذلك عَرَض أن يكون أجيراً ، يستحق أجرتَهُ بالعمل عندَ أبيه وأخيه. تعكس هذه الكلمات واقعاً أعمق ، تتخطّى البعد المادَي لتصبح الكلمات كلمات طلب المغفرة للجرح العميق الذي ألحقه الابن بأبيه حين أخرجه من دائرة حياتِه واعتبره ميتاً وطالب بالميراث وأبوه لا يزالُ حيًّا
-
يطلب أن يكون أجيراً، تربطه بوالده لا علاقة البنوّة والعائلة، إنّما علاقة المصالح الخاصّة، فمن صالح الإبن أن يعود إلى الآب ليحيا، أمَا الأب فما من مصلحة خاصّة تديره، وكلّ ما يقوم به سببه الحب والرّحمة، وهذا هو الفارق بين الله والإنسان، الإنسان يبني قراراته على ضوء المصلحة الخاصّة والإستفادة الشّخصيّة، أمّا الله فيقوم بما يقوم به مدفوعاً من الحب وروح الأبوّة
-
المرحلة الخامسة هي وضع هذا القرار موضع التّنفيذ، "فقام ومضى". وفي فعل "قام" يستعمل لوقا فعل Anistemi اليونانيّ وهو الفعل الذي يرتبط بقيامةِ المسيح من بيت الأموات، لقد تمَّم هذا الابن في حياته قيامة يسوع المسيح بطريقة شخصيّة وروحيّة، تغلّب على الشرّ واختار الخلاص، عاد إلى بيت الآب
"
وبينما لا يزالُ بعيداً أبصره أبوه..." يتخطَّى جمال هذه الآية البعد الإنسانيّ العاطفيّ ويعكس بطريقة غير مباشرة دعوة العهد القديم لتوبة إسرائيل وعودته إلى يهوه والده
يعلِّم التَّلمود اليهوديّ ضرورة التّوبة والعودة إلى اللّه بواسطة رواية تعليميّة تذكِّرُنا بنصِّنا هذا: "عُد يا إسرائيلُ إلى السيِّد إلهك ، يقول هوشع (14 ، 2). إنّه حال ابن ملك بعيد عن أبيه مسافة مئة يوم سفر. أصدقاؤه ينادونه قائلين: "عد إلى أبيك" وهو كان يجيب: "لا أقدر". أرسل عندها والده رسلاً يقولون له: "أنت سر ما يمكنك أن تسيره من مسافة الطّريق، وأنا آتي نَحوك وأجتاز المسافة المتبقيّة"، وهكذا قال لإسرائيل اللهُ القدّوسُ له المجد " عودوا إليَّ وأنا أعودُ اليكم" (ملا 3، 7 ). 
هذا المثل الرابّينيّ، كمَثَل الإبن الشاطر في لوقا، يُظهر بوضوح رغبة الله الوالد في عودة الإبن، إنّما لوقا يجعل الإبن هو صاحب المبادرة: في المثل التلموديّ يُرسل الأب من ينادي الإبن أمّا في مثل يسوع فالآب يجلس منتظراً ابنه. لقد كان الله مستعدّاً للغفران منذ لحظة الإنفصال، إنّما كانت أساسيّة مبادرة الابن وتوبته، لقد صار الابن الأصغر إبناً ناضجاً، عرف أين تكمن الحريّة الحقّة، فالحرية ليست التحرّر من محبّة الله، هي ليست عيش غوغائيّة الحياة وعشوائيّتها، هي ليست الغرق في لذّةِ المادّة والإستهلاك، فالحريّة الحقّة وجدها الابن عندما عاد إلى ذاته، عندما قرّر العودة إلى علاقة الحب الإلهيّ
عندما وصل الإبن إلى حضن أبيه أعلن النّدامة والتّوبة، لم يقل حرفيّاً الكلام الذي أعدّهُ في السّابق، لم يطلب من أبيه أن يجعله أجيراً، ففي فعل النّدامة والتّوبة ليس مطلوباً من الإنسان اتّخاذ القرارات مكان الله، الله يطلب التّوبة والإنسان يعلن النّدامة ويضع نفسه بين يديّ أبيه السّماوي كما ارتمى الابن الأصغر بين يديّ أبيه، المطلوب هو النّدامة، والإتّكال على رحمة الله والثّقة بمحبّته المطلقة ومغفرته غير المشروطة
رغبة الإبن كانت أن يقبله الأب أجيراً بين خدم عديدين أمّا جواب الأب فكان من نوع آخر، أنقذه من حالة العبوديّة التي أوقع نفسه فيها وأعاده إلى مكانة الإبن والوريث
هذه العودة إلى حالة البنوّة تتمثّل بثلاث أعمال رمزيّة ليست جديدة في الكتاب المقدّس
-
اعطاء الثوب الفاخر 
-
الباس الخاتم 
-
إنعال القدمين بحذاء 
نجد في العهد القديم نصوصاً متعدِّدة تشير إلى أن هذه العناصر الثلاثة هي ذات قيمة رمزيّة ترتبط بالسّلطة والقيمة الإجتماعيّة؛ 
-
في سفر التّكوين 41، 42 يخلع فرعون خاتمه ويضعه في إصبع يوسف، يلبسه ثوب كتّان ويطوِّق عنقه بالذّهب. وفي سفر المكابيّين الأوّل يعيّن أنطيوخوسُ الملكُ فيليبّسَ حاكماً معطياً إيّاه تاجه وحلّته الملوكيّة وخاتمه ( 1 مك 6 ، 15). 
-
وفي سفر استير يلبس الملكُ مردخايَ اليهوديّ ثوبه الفاخر ويجلسه على مركبة في ساحة المدينة يأمر بالمناداة : " هكذا يكرّم الرّجل...."(أس 6 ، 8-11). 
الثوب الفاخر الّذي يُعطى للإبن هو أيضاً "الثوب الأوّل"، فكلمة Proton تعني الأوّل، والى جانب معنى الثوّب كرمز للكرامة الملوكيّة وللنبالة، فإن هذه الكلمة تشير الى رغبة الأب بإعادة الإبن الى المقام الأوّل الّذي كان يملكه، أعاده الى مكانه الأوّل، صار إبناً من جديد، ولم يعد متمرّداً وغريباً
والخاتم هو رمز السلطة، فهو إشارة مرئيّة لإنتماء الإبن الى العائلة، لأن الخاتم غالباً ما يحمل رمز العائلة، إنّما هو خاصّة علامة للمشاركة في السلطة الأبويّة، فالخاتم هو الختم، به كان يُصار الى مهر الرسائل والصكوك والمعاملات والمعاهدات في العالم القديم. لقد أشرك الأب ابنَه الأصغر بادارة بيته، أعطاه الحريّة الحقّة، حريّة المشاركة المسؤولة، لا الحريّة الوهميّة التي بحث الابن عنها في السابق بتبديد أمواله كلّها. وظيفة الإبن الآن هي المحافظة على ما هو لبيت أبيه، بهذا يصبح إنساناً حرّاً
أمّا الحذاء فهو عنصر يستعمله لوقا ولا نجده في نصوص العهد القديم التي أوردناها، وهذا لكون الحذاء يحمل رمزيّة ثقافيّة يونانيّة رومانيّة لا يهوديّة. الحذاء ينتعله المواطن الحرّ، أما العبد فيسير حافي القدمين. إنتعال الحذاء هو إشارة الى كون الفرد مواطن رومانيّ. الإبن كان حافي القدمين، أوصله فقره الى مصاف العبيد، باع هوّيته ليبقى على قيد الحياة. بعودته الى الآب عادت الى الإبن حريّته المفقودة
لقد أمر الأب بذبح العجل المسمّن، ففي إسرائيل القديمة كما في المجتمعات الأخرى المحيطة، لم يكن اللّحم الطعام اليوميّ للشعب الفقير ولا حتّى للطبقات المتوسّطة، لذلك كان الثور يُسمّن ليذبح، ويُصار بعدها الى حفظ لحمه بالملح ليؤكل على مدار الشتاء. ذبح الثور في غير أوانه كان يتمّ في مناسبات بغاية الأهميّة مثلاً عند ضرورة تقديم ذبيحة للرّب (قض 6، 25) أو لتكريم ضيف بغاية الأهميّة (تك 18، 7-8؛ 1صم 28، 24). 
يهدفُ لوقا من خلال تفصيل الثور المذبوح الى التلميح الى بعد الفرح الخلاصيّ الّذي كان يتمّ في حضن هذه العائلة، فالثور يُذبح للفرح وللإحتفال: "وأخذوا يفرحون" (15، 24)، صورة للعرس المسيحانيّ الّذي يتم حين عودة الضّال وتوبة الخاطيء، كما يرد في المثلين السابقين: الخروف الضائغ والدرهم المفقود. هو فرح الرّب بقيامة الإبن الميت وعودته الى الحياة ومشاركته من جديد فرح البيت الوالديّ

عودة الأبن الأكبر
لقد كان الإبن الأكبر محتجباً تماماً عن أحداث هذه الرّواية، نعرف عنه من النّص نفسه أنّه كان الوريث الأوّل، يحقّ له بثلثي ميراث أبيه، لم ينفصل عن الشراكة الوالديّة بعد قسمة الميراث وكان يعمل في الحقل بينما كان أخاه الأكبر يبدّد ميراث والده
هو ليس بالضرورة إنساناً شريراً حسوداً، فالنّص لا يعالج مشكلة الحسد أو الشرّ الأخويّ، بل هو إنسان التزم بيت أبيه واحترم قوانين الإرث، يعمل في الحقول بيديه، علامة الإجتهاد للمحافظة على أملاك أبيه، يغضب إزاء نقص العدالة. هذه هي النقطة الأساسيّة التي يعالجها لوقا في هذا النّص: الفرق بين العدالة الإنسانيّة والعدالة الإلهيّة، والعلاقة بين العدالة والرّحمة. هل أن معنى العدالة يقتصر على التطبيق الأعمى لمبدأ ثواب البار وعقاب الخاطيء دون الأخذ بعين الإعتبار منطق المحبّة والرحمة والإصلاح؟ هل العدالة هي ذات هدف انتقاميّ أو يحتل البعد التأديبيّ الإصلاحيّ مكاناً فيها؟ 
يُبرز لوقا هنا الفرق بين عدالة الأب الّذي قسم ميراثه بين ولديه (عدالة الشريعة)، وأعاد فتح ذراعيه لإبنه التائب غافراً له الأذى الّذي ألحقه به شخصيّاً وبعائلته كلّها، ومفسحاً له مجال البدء من جديد في بناء حياة كريمة (عدالة رحومة تأديبيّة)، وبين عدالة الإبن الأكبر الّذي رفض فكرة إعطاء فرصة جديدة لإخيه لأنّه بدّد أمواله على الزواني وعليه أن يتحمّل عواقب أعماله (عدالة انتقاميّة). الفرق بين الأب والإبن الأكبر هي في النظرة الى مفهوم العدالة وفي القدرة على المحبّة والمغفرة: الوالد أعاد ولادة ابنه من جديد إنسانيّاً واجتماعيّاً وروحيّاً، ولده الى حياة كريمة مرّة أخرى، أمّا الإبن الأكبر فاعترض ورأى في رحمة الأب انتقاصاً في العدالة
من وجهة النظر الإنسانيّة، لا بدّ أن نعطي الحقّ للإبن في ما يقوله، إنّما إذا نظرنا الى الإبن الأصغر بعيني الوالد نفهم أن المكافأة الأعظم لوفاء الإبن الأكبر هي "أن يكون مع الآب في كلّ حين" (15، 31) ومشاركته في علاقة محبّة وطاعة، وإزاء هذه المكافأة الأعظم لا يصبح لأي مكافأة أخرى أي قيمة تذكر. الإبن الأكبر الّذي تمتّع بمشاركة الآب في كلّ شيء لا يمكنه أن يفتّش عمّا هو أدنى قيمة، عن "جدي يأكله مع أصدقاءه". 
ويتخطّى الأب إظهار قيمة حياة الإبن الأكبر ليدعوه الى مشاركته الفرح بعودة أخيه الى البيت الوالديّ. ينقل الأبُ الإبنَ من مفهوم العدالة الإنتقاميّة الى المنطق الإلهيّ للعدالة، العدالة التي تعانق السلام كما يقول المزمور، فبالخلاص المسيحانيّ يتعانق العدل والسلام (مز 84، 11). يصبح الأبن الأكبر مدعوّاً لا لقبول عودة أخيه فحسب، بل للفرح لقيامة أخيه من بين الأموات، يصبح الأبن الأكبر مشاركاً لأبيه في خلاص أخيه الأصغر

مثل يعكس صراعات يهوديّة- مسيحيّة وصراعات داخل الكنيسة نفسها
يعكس هذا المثل صراعاً بين اليهود والمسيحييّن، فسلسلة الأمثال هذه قد أُعطيت إثر قول الفرّيسيّين: "هذا الرجل يرحّب بالخاطئين ويأكل معهم" (15، 2)، فمنطق الأخ الأكبر يعكس منطق الشعب اليهوديّ الّذي اعتقد نفسه أحقّ بالبنوّة الإلهيّة من الّذين يأتون من خارج الشعب اليهوديّ ويؤمنون بالمسيح، رأوا أنفسهم مستبعدين عن حقّ الأولويّة فاعترضوا على منطق المسيح الذي يساويهم بالخطأة وبالعشّارين
يعكس هذا المثل أيضاً صراعاً ونزاعات في داخل الكنيسة نفسها بين من هم من أصل يهوديّ ومن هم من جذور وثنيّة، فيجد من هم من الفئة الأولى صعوبة في التصديق أن الجميع سوف يخلص بيسوع المسيح، وأن لا أفضليّة لهم على إخوتهم بسبب السنين الطوال التي قضوها في المحافظة على شريعة موسى: هم الّذين صاموا واختُتِنوا وامتنعوا عن المآكل النجسة وحافظوا على قوانين التطهير قبل الصلاة الأكل، هم الّذين قاموا بزيارات حجّ طوال نحو أورشليم في حرّ النهار وبرد الليّل وفي خطر من اللّصوص، يجدون أنفسهم مساوين لأولئك الّذين التقوا يسوع في اللّحظة الأخيرة وعادوا الى بيت الآب وصاروا شركاء في الميراث
والمشكلة الثالثة التي يعرضها هذا النّص هي مشكلة كنسيّة داخليّة، يطرح فيها فكرة إعادة قبول الخاطئين في الجماعة الكنسيّة بعد توبتهم: هل يمكن لمن عانى قسوة الإضطهاد وثبتوا، وحافظوا على وصايا الإنجيل وصلوّا وصاموا وامتنعوا عن الشّر أن يقبلوا فكرة مساواتهم بمن خان مواعيد عماده وسقط في أهواء الجسد والخطايا أو أنكر المسيح تحت وطأة الإضطهاد، ثم ندم وعاد يطلب المفغرة؟ 
هي مشكلة قديمة جديدة، منطق الفرّيسيّين الأقدمين الّذين استأثروا ببنوّة الله قد انتقل الى الكنيسة الأولى، فصار من هم "أبرار" يحتقرون الأخ الساقط في تجربة أو في خطيئة. هي مشكلة كنيسة اليوم أيضاً، فكم من مسيحيّ يحتقر الآخر لزلّة أو لخطيئة أو لوصمة في ماضيه؟ يرفض الإختلاط به ومصافحته، يرفض كونه مساوياً له وابناً مثله للآب السماويّ؟ 
باسم العدالة نقتل إخوة لنا مرّات كثيرة، وغالباً ما نعود الى المنطق القديم، منطق الفريّسيّ المتكبّر، المتعالي على العشّار والخاطيء، الصارخ متذمّراً: "يسوع هذا يقبل الخطأة ويأكل معهم". 


التأمّل

هذا الأحد الثالث من آحاد الصوم يضعنا أمام شفاء جديد. بعد الأبرص والنازفة، نجد قصّة شفاء من نوع آخر، شفاء يطال أعمق أعماق الإنسان المتألّم، شفاء الحريّة المريضة التي تؤدّي بالإنسان الى فقدان أثمن ما يملك، فقدان هويّة ابن الله
أبٌ وابنان، في كلّ منهم نجد القليل من هويّتنا. فكم من الأحيان نفتّش عن التحرّر، نرغب بتحطيم قيود تربطنا بالله، بعائلتنا، بمجتمعنا؟ نرغب في ترك كلّ شيء، نقلّل من أهميّة ما نملك ونفتّش عن سعادة القلب بعيداً عن الله
كم نشبه الإبن الأصغر! نريد أن نكون أسياداً على أنفسنا، نترك الآب السماويّ، نغادر بيتنا الأبوّي، نبتعد عن الكنيسة وعن الجماعة، ونذهب لاهثين وراء لذّات تمضي ولا تروي ظمأ قلبنا الى السعادة الأعمق. نبحث عن سعادة فنصطدم بتعاسة وجودنا الفارغ. نسعى الى حريّتنا فنجد أنفسنا مستعبدين لحقارة لذّاتنا ولدناءة الخطيئة. نتعب من قذارة خطيئتنا، نتألّم من جراح معاصينا، تصبح أعمالُنا أحمالاً ثتقل كواهل ضميرنا ونتوق الى التحرّر منها. نسعى الى حريّتنا فنجد أنفسنا مستعبدين لحقارة لذّاتنا وأهواءنا. نيأس من وجودٍ صار دون فرح، نقضي أيّاماً لا لون لها ولا نكهة، أيّام تمرّ ونحن مستعبدون لفلسفة اللّحظة ولنهم الّلذة علّنا نروي ظمأنا الى السعادة، وتمر السنون ويبقى قلبنا تعيساً
قصّة خطيئتنا هي قصّة الإبن الأصغر، وقصّة توبتنا يمكنها أن تجد مثالها في قصّة عودة هذا الإبن الشريد الى أحضان أبيه. لقد خطئنا الى السماء، الى الله الّذي أحبّنا فأجبنا على حبّه بابتعادنا وبعدم اكتراثنا بانتظاره لنا. أخرجنا الى الوجود فحاولنا أن نخفيه في عدمية حياتنا، أعطانا صورته ومثاله فشوّهنا الصورة وابتعدنا عن المثال، دخل معنا في علاقة حبّ وصداقة، فتركنا رافضين محبّته، أعطانا ابنه الوحيد مائتاً عنّا، مشرعاً ذراعيه فوق الصليب صورة لذراعي الآب المفتوحتين دوماً لمعانقتنا
لقد اخطأنا الى السماء نعم، إنّما أثِمنَا أيضاً تجاه اخوتنا البشر، أخطأنا الى كنيسة المسيح والى أخينا الإنسان وجعلناه عبداً لشهواتنا ولمصالحنا الخاصّة ولنزواتنا. إن خطيئتنا تجرح الإنسان، ومداواة هكذا جرح يتطلّب المصالحة، ليس مع الله فقط بل مع الإنسان أيضاً. لذلك وجب سرّ التوبة والمصالحة، حيث يمثّل الكاهن المسيح نفسه، باسمه وبشخصه يعطي الغفران، ويمثّل البشريّة باسرها، الكنيسة التي جرَحَتهَا خطيئتي، والتي تصليّ لي وتضرع من أجلي. يمثل الكاهن في سرّ المصالحة كلّ شخص امتهنتُ كرامته بخطيئتي، واستعبدت جسده برذيلتي وبشهواتي، ولم أرَ فيه صورة الله وكرامة يسوع
إنّما كم نشبه أيضاً ذلك الأخ الأكبر الّذي قطع كلّ علاقة له بأخيه بعد أوّل زلّة اقترفَها هذا الأخير؟ لم يعد يدعوه "أخي"، بل صار "ابنك هذا الّذي بدّد أموالك على الزواني"؟ كم كان سهلاً عليه تقديم العدالة العمياء على الرحمة الأخويّة؟ كم نكرّر نحن الفعل ذاته كلّ يوم؟ كم مرّة نقول: "هذا خاطيء لا يستحقّ الرحمة"؟ كم نقول أن الله غير عادل لأنّه لا يهلك الخاطئين؟ كم هو قاسٍ قلبُنا تجاه إخوة لنا نفتّش عن هلاكهم تحت شعار العدالة وفي الصميم لا نفتّش إلاّّ عن الإنتقام
نحن نشبه الإبن الأكبر حين نؤمن بالله ونطبّق وصاياه سعياً وراء مكافأة أو لنبرز فضائلنا أمام الآخرين، نبني إيماننا على حصريّة الخلاص وعلى نظرة فوقيّة: نحن دائماً الأحسن، والأقدس والأكمل، ونحن الأكثر استحقاقاً لمواعيد الخلاص. فهلاّ نملك القليل القليل من حبّ الآب ورحمته؟ هلاّ نعلم أن دعوتنا هي مشاركة المسيح في خلاص إخوتنا البشر؟ هل نترك في قلبنا بعضاً من فسحة أمل لمن خطيء الينا بأن يجد بعضاً من قبول؟ بهذا فقط يكون صومنا كاملاً، حين نحيا سرّ توبة مستمرّة، ونعلم أن وجودنا المسيحيّ هو سعيٌ دائم للعودة الى الآب في فعل اتّضاع بنوي، وأن قمّة الفرح هي في أن نرى باب الرجاء يُفتَح مجدّداً لأخ لنا تائب، يعود مثخناً جراحاً ليجد الشفاء في مغفرة الآب وفي قبولنا له

.

زمن الصوم

 

shefa2manzoufa

الاحد الثالث: شفاء المنزوفة

 

الرسالة:

( 2 كور 7: 4-11)

إنَّ لي عَلَيكُم دالَّةً كَبيرة، ولي بِكُم فَخرًا عَظيمًا. ولَقَد امتَلأتُ تَعزيَةً، وأنا أفيضُ فَرَحًا في ضيقِنا كُلِّهِ. فإنَّنا لَمّا وَصَلنا إلى مَقدونية، لَمْ يَكُن لِجَسَدِنا شيءٌ مِنَ الرّاحَة، بَلْ كُنّا مُتَضايقينَ في كُلِّ شيء، صِراعٌ مِنَ الخارِج، وَخَوفٌ مِنَ الداخِل! لَكِنَّ اللهَ الذي يُعَزّي المُتَواضِعينَ عَزّانا بِمَجيءِ تيطس، لا بِمَجيئِهِ فَحَسْبْ، بَل أيضًا بالتَّعزية التي تَعَزَّاها بِكُم. وقَدْ أخبَرَنا باشْتِياقِكُم إلَينا، وحُزنِكُم، وغَيْرَتِكُم عَليَّ، حتّى إنّي ازدَدْتُ فَرَحًا. وإذا كُنتُ قَد أحزَنْتُكُم بِرِسالَتي فَلَستُ نادِمًا على ذَلِك، مَعَ أنَّني كُنتُ قَد نَدِمتُ، لأنّي أرى أنَّ تِلكَ الرِّسالة، ولَو أحزَنَتْكُم إلى حينْ، قَد سَبَّبَت لي فَرَحًا كَثراً، لا لأنَّكُم حَزِنتُم، بَلْ لأنَّ حُزنَكُم أدّى بِكُم إلى التّوبة. فَقَد حَزِنتُم حُزنًا مُرضيًا لله، كَي لا تَخسَروا بِسَبَبِنا في أيِّ شيء؛ لأنَّ الحُزنَ المُرضي للهِ يَصْنَعُ تَوبَةً لِلخَلاصِ لا نَدَمَ عَلَيها، أمّا حُزنُ العالَمِ فَيَصنَعُ مَوتًا. فانظُروا حُزنَكُم هذا المُرضيَ لله كَم أنشأ فيكُم مِنَ الإجتِهاد، بَل مِنَ الإعتِذار، بَل مِنَ الإستِنكار، بَل مِنَ الخَوف، بَل مِنَ الشَّوق، بَل مِنَ الغِيرة، بَل مِنَ الإصْرارِ على العِقاب! وَقَد أظْهَرتُم أنفُسَكُم في كثلِّ ذَلِكَ أنَّكُم أبرياءُ مِن هذا الأمِر.

 

 

الانجيل:

(لو 8: 40-56)

لمّا عادَ يَسوع، استَقْبَلَهُ الجَمِع، لأنَّهُم جَميعَهُم كانوا يَنتَظِرونَهُ. وإذا بِرَجُلٍ اسمُهُ يائيرُس، وكانَ رَئيسَ المَجمَع، جاءَ فارتَمى على قَدَمَيْ يَسوع، وأخَذَ يَتَوَسَّلُ إلَيهِ أن يَدخُلَ بَيتَهُ، لأنَّ لَهُ ابنَةً وَحيدَة، عُمرُها نَحوُ اثنَتَي عَشرَةَ سَنة، قَد أشرَفَت على المَوت. وفيما هوَ ذاهِب، كانَ الجُموعُ يَزحَمونَهُ. وكانَت امرأَةٌ مُصابَةٌ بِنَزْفِ دَمٍ مُنذُ اثنَتَي عَشرَةَ سَنة، ولَم يَقدِر أحَدٌ أن يَشفيَها. دَنَت مِن وَراءِ يَسوع، ولَمَسَت طَرَفَ رِدائهِ، وفَجأةً وَقَفَ نَزفُ دَمِها. فَقالَ يَسوع: "مَن لَمَسَني؟". وأنكَرَ الجَميع. فَقالَ بُطرُس وَمَن مَعَهُ: "يا مُعَلِّم، إنَّ الجُموعَ يَزحَمونَكَ وَيُضايِقونَكَ!". فَقالَ يَسوع: "إنَّ واحِدًا قَد لَمَسَني! فإنّي عَرَفتُ أنَّ قوَّةً قَد خَرَجَت مِنّي!". ورأت المَرأةُ أنَّ أمرَها لَم يَخفَ عَلَيهِ، فَدَنَت مُرتَعِدَةً وارتَمَت على قَدَمَيهِ، وأعلَنَت أمامَ الشَّعبِ كُلِّهِ لِماذا لَمَسَتهُ، وكَيفَ شُفيَت لِلحال. فَقالَ لَها يَسوع: "يا ابنَتي، إيمانُكِ خَلَّصَكِ! إذهَبي بِسَلام!". وفيما هوَ يَتَكَلَّم، وَصَلَ واحِدٌ مِن دارِ رئيسِ المَجمَعِ يَقول: "ماتَت ابنَتُكَ! فلا تُزعِج المُعَلِّم!". وسَمِعَ يَسوعُ فأجابَهُ: "لا تَخَف! يَكفي أن تؤمِنَ فَتَحيا ابنَتُكَ!". ولَمّا وَصَلَ إلى البَيتْ، لَم يَدَع أحَداً يَدخُلُ مَعَهُ سِوى بُطرُس ويوحنّا ويَعقوب وأبي الصَّبيّة وأمِّها. وكانَ الجَميعُ يَبكونَ عَلَيها ويَقرَعونَ صُدورَهُم. فَقال: "لا تَبكوا! إنَّها لَم تَمُت. لَكِنَّها نائمة!". فأخَذوا يَضحَكونَ مِنهُ لِعِلمِهِم بأنَّها ماتَتْ. أمّا هوَ، فأمسَكَ بِيَدِها ونادى قائلاً: "أيَّتُها الصَّبيّة، قومي!". فَعادَت روحُها إلَيها، وفَجأةً نَهَضَت. ثُمَّ أمَرَ بأن يُطْعِموها. فَدَهِشَ أبَواها، وأوصاهُما يَسوعُ ألاّ يُخبِرا أحَداً بِما حَدَثَ.

 

 

تأمل في الانجيل:

في مسيرة الصوم هذه، تضع الكنيسة المارونيّة في عهدتنا نصّاً، نطلق عليه إنجيل النازفة، يقدّم لنا رواية مزدوجة، حادثتي شفاء وإحياء، تقطع الثانية سير أحداث الأولى وتؤخّرها. حادثان متناقضتنان في الظاهر إنّما متكاملتان من ناحية الهدف الأدبيّ واللاّهوتي، نقرأ في كلٍّ منهما أحداث حياتنا ونجد أنفسنا معنييّن في الرسالة الإنجيليّة التي يقدّمها لوقا. 

إنّها رواية مزدوجة، رواية تبدأ بفتاة صغيرة ابنة اثنتي عشرة سنة على حافّة الموت بسبب مرض ألمّ بها، تقطعها رواية أخرى، رواية شفاء امرأة لا بدّ أن تكون مكتملة السنين، فيها نزف دمٍ منذ اثنتي عشرة سنة، أي أنّها دخلت البلوغ الأنثوي منذ اثنتي عشرة سنة على الأقلّ. بعد شفاء الإمرأة يكمل يسوع الطريق ليحيي الصبيّة.


إن إيراد المعجزتين بهذه الطريقة المتداخلة هي من خصائص مرقس إعتمدها لوقا في إنجيله، فهو غالباً ما يُدخل الروايات ببعضها بطريقة سرديّة ليصل من خلالها الى غاية لاهوتيّة أو تعليميّة. نجد في سياق النّص عدّة أوجة تشابه وتناقض بين الروايتين، لا بلّ بين الشخصيّتين. هذا التناقض يصبح في نهاية الأمر تكامل بين الحدثين: الربّ يشفي الإمرأة ويعيد الحياة الى الصبيّة. 
من أوجه التشابه بين الروايتين: 
- الأيمان الّذي يجمع الأبطال حول يسوع المسيح: إيمان يائيرس، والد الطفلة والمسؤول عنها قانونيّاً، وإيمان الإمرأة التي سعت الى الشفاء مؤمنة بالآتي من عند الرّب. 
- العنصر النسائي الطاغي، فالمريضتان كلتاهما من الجنس الناعم، ومرضهما يرتبط مباشرة بالخصوبة والزواج. بحسب الأعراف السائدة آنئذ، الفتاة في الثانية عشرة سنة من عمرها تدخل سنّ الزواج، والإمرأة النازفة تعاني من مشاكل تتعلّق مباشرة بالخصوبة. 
- الأعداد المستعملة لا يمكن أن تكون مجرّد صدفة، الرقم "اثنا عشر" يجمع الإمرأة بالفتاة، يصبح قاسَماً مشتركاً قادر على جمع فئات الأعمار كلّها. أن المعجزتين الّتين أتمّهما السيّد هما بوظيفتهما الأدبيّة واللاّهوتيّة على ترابط وتكامل، المعجزة الأولى تشرح لنا ما هو الإيمان، أمّا الثانيّة فتعلن أن الإيمان ينتصر على الموت نفسه. 

ما هو الإيمان: 
بحسب هذا النص نعرف أن الإيمان هو "لمس يسوع المسيح"، ولمسه يعني ملاقاته، الوثوق به التعرّف اليه شخصيّاً. فرغم الأعداد الكبيرة المحيطة، وحدها النازفة أمنت به، وثقت بقدرته وأخذت المبادرة، إنطلقت نحوه ولمسته. 
الإيمان هو دخول بعلاقة مباشرة وشخصيّة مع يسوع: لم تكتفي الإمرأة بما سمعته، لم تبقى فرداً بين حشود لا نعرف قصّتها، بل تميّزت عنهم. الإيمان يبدأ بالسماع، وينمو في الجماعة، إنّما السماع والتعليم الّذي نناله في صغرنا هو نقطة انطلاق نحو بناء علاقة روحيّة ناضجة، تختبر يسوع شخصيّاً، نحيا علاقة صداقة معه وتتلمذ له. لو بقيت هذه الإمرأة محدودة بنظرة الجموع ليسوع لاختنق إيمانها ولما نالت الشفاء. لقد انتقلت من مرحلة الإتّباع الأعمى الى مرحلة التتلمذ الواعي والمسؤول، لم تبق على ما قاله الآخرون، وغالباً ما يقولون نظرتهم الشخصيّة. 

مراحل متعدّدة في مسيرة الإيمان: 
في حركات الإمرأة يلخّص لوقا مسيرة إيماننا المسيحيّ: 
- الكائن الباحث عن خلاص بعيداً عن يسوع المسيح: "أنفقت كلَّ ما تملك على الأطبّاء وما قدر احد أن يشفيها". لقدّ فتّشت هذه المرأة، صورة كلّ واحد منّا، عن خلاصها بقواها الذاتيّة وبمالها وباتّكالها على حكماء هذا الدهر ففشلت. أيقنت انّها عاجزة عن إعطاء ذاتها الخلاص، ومالها الّذي بحثت فيه عن مخلّص قد نفذ، والأطبّاء لم يداووا جراحها. هي قمّة الفشل، هو كائننا المُحبَط إزاء محدوديّته وضعفه. كم نجد أنفسنا أقوياء أحياناً، نظنّ أنفسنا ممسكين بزمام حياتنا، قادرين على إتّخاذ القرارات، نضع برنامجاً يمتدّ على عشرات السنين القادمة، نعتدّ بما أنجزناه، وبما تعلّمناه، نفاخر بشهاداةٍ استحقّيناها، أو بتجارة رابحة أنجزناها، وننسى الله محور سعادتنا. نبني خلاصنا على أمور ماديّة، والمادّة بطبيعتها عابرة. تفنى المادّة، يمرض الجسد، تتعثر التجارة، لا تنفعني شهادتي شيئاً، أجد نفسي عاجزاً، اصطدم بفشل المادّة في إنقاذي، أغرق بوحدتي. هذه الإمرأة لم تيأس، علمت أن المادة ليست قادرة على إعطائها الخلاص، ففتّشت عن المخلّص الحقيقيّ، علمت أن أموالها قد نفذت، ففتّشت عمّا هو دائم، وكان هذا الدائم يومها مارّاً في مدينتها، فلم تضيّع الفرصة. 
- الكائن بين الجموع: هو الإنسان الّذي يتلخّص إيمانه بما يقوله الآخرون. هو كلّ واحد منّا يسمع في صغره عن يسوع ويسمع من والديه التعليم حول ما هو واجب وما هو صحيح وما هو خطأ وما هو ممنوع. يذهب الى الكنيسة ويشارك في الأسرار، إنّما خطأه هو أنّه بقي على ما سمعه، لم يدخل في علاقة مباشرة مع السيّد. صلاته اليوميّة هي واجب يتلوه مسرعاً، وقدّاس الأحد هو فرض أسبوعي لتلافي الخطيئة والعقاب، وحياته الأخلاقيّة هي عادة اكتسبها. التتلمذ ليسوع هو الأنطلاق مما تعلمّناه لأنّه قيّم وأساسيّ، هو حسن إنّما هو غير كافٍ لينقلني من مرحلة الواجب وأحياناً الوسواس الى مرحلة التتلمذ، أي الى الدخول في علاقة شخصيّة مع الرّب. أنا مدعو لأن أحيا الصداقة والتتلمذ لا الخوف والقلق. صلاة العبد هي فرض للتلافي الخطيئة وصلاة التلميذ هي حديث صداقة مع يسوع الحاضر، قدّاس الأحد هو واجب بالنسبة لمن هو مجرّد فرد في مجموعة، والإفخارستيّا هي اتّحاد حقيقيّ وشخصيّ بيسوع الحاضر حقيقة في القربان وفي الجماعة. العبد هو من يذهب الى الكنيسة فيجلس بجانب شخص آخر وسط كنيسة محتشدة، والإبن الصديق التلميذ هو من يذهب ليكون مع إخوة له لا يعرفهم، إنّما يعلم أنّهم بيسوع المسيح صاروا إخوة له. الحياة الأخلاقيّة يبنيها العبد على خوفه من العقاب، ويبنيها التلميذ على حبّه ليسوع، التلميذ يرفض الخطيئة ويبتعد عنها لا خوفاً من جهنّم، إنّما حبّاً بيسوع المسيح وبإخوة يسوع الصغار. 
- الدخول في علاقة مع الرّب بحثاً عن الخلاص: "دنت من خلف يسوع، ولمست هدب ثوبه، فوقف نزف دمها في الحال". هو أمر طبيعيّ، فكيان كلّ واحد منّا يبحث عن الخلاص. بحث هذه المرأة في هذه المرحلة كان خلاص الجسد، أرادت أن تُشفى من مرض يجعلها غير طاهرة، بحسب شريعة موسى، بعيدة عن الهيكل وسبب نجاسة للآخرين. ربّما حظّها كان كامناً في ان مرضها كان غير ظاهر للعيان كالبرص، وإزاء الجماعة كانت قادرة على تمويه حقيقتها، لم تكن مفصولة بالمطلق عن الجماعة والدليل أنّها كانت بين الجموع. إنّما عزلتها كانت داخليّة، لا اجتماعيّة كحالة الأبرص، كانت تحيا حالة تمويه دائم وإخفاء لحقيقتها، وربّما كانت تختنق من واقعها هذا. كانت تحيا ألماً مستمرّاً، لحسن حظّها كان يسوع حاضراً. اقتربت من الخلف ولمسته، وصلت عمليّاً الى مبتغاها لأنّها نالت شفاء الجسد، إنّما لم تحصل على الشفاء الداخليّ، ويسوع لا يرضى بأنصاف الشفاءات، فهو أتي ليهب للإنسان الخلاص الكامل، الخلاص الكليّ، خلاص الجسد الّذي لا بدّ ان يشفى النفس الجريحة والروح البعيدة عن الله والمكبّلة بالخطيئة وبالرذائل. هي حالة إنساننا المقتّش عن الخلاص العابر، نحتال على يسوع لنشفى، أو لننجح، أو لنجتاز مشكلة أو ضيقة ماديّة. نذهب من وراء يسوع، لا ندخل بعلاقة شخصيّة معه، لا ننظر اليه وجهاً لوجه، وندعه ينظر يرى وجهنا. نتحاشى النظر في عيني يسوع لأنّنا نخاف أن نكتشف حقيقتنا. هو يعرفنا، إنّما خوفنا هو من أن نعرف نحن ذاتنا، نتحاشى الدخول في علاقة مباشرة معه لأنّه إله متطلّب، نرتضي بالحدّ الأدنى، نأتيه من الخلف لننال مبتغانا ونختفي مجدّداً بين للجموع. 
- الإيمان الأعمق يتحقّق لحظة الدخول في علاقة مباشرة مع يسوع: "حين علمت أنّ أمرها لم يخف عليه، جاءت راجفة وارتمت عند قدميه". الإرتماء عند قدمي شخص لا لا يعني فعل تقوى كما نفهم نحن اليوم. نحن نركع لنصلي، لنعبد الله، أمّا في العالم القديم فلم يكن الأمر يتعلّق بالعبادة فقط، إنّما بالتتلمذ. فعل الجلوس عند أقدام شخص ما كان يعني أعلان هذا الشخص كمعلّم لي، وهو أمر كان مشتركاً بين الثقافتين اليونانيّة واليهوديّة. هذه المرأة قد عرفت أنّه لا يمكنها الهرب من وجه السيّد، عرفت أنّه يعرفها بعمقها، هو الوحيد الّذي انتبه لها، حتى بطرس لم يتنبّه الى هذه المرأة الّتي كانت تحاول مدّ يدها من بين الجموع لتلمس الربّ، ولو كان قد رآها وعلم ما هي حالتها لكان قد حاول منعها من تدنيس المعلّم. وحده يسوع نتبّه لها، وعمل الرّب الحنون هذا لم يسمح لنا ان تبقى غير مبالية. لقد ارتعدت، لأنّها علمت أنّها أمام شخص مميّز، مختلف، ليس كسائر البشر، إنّما ارتعدت أيضاً لأنّ شخصها نفسه قد صار له اهمّية، علمت أن الرّب عينه يسأل عنها، يهتمّ بأمرها، أحبّ إيمانها. أرتعدت لأن هذا الشخص الّذي انتصر على اثنتي عشرة سنة من ألم ويأس ومحاولات فاشلة بلمسة منه، هو نفسه يريد ان يدخل معها في علاقة معرفة وصداقة. لقد كانت بالنسبة للمئات المحتشدة مجرّد شخص إضافيّ، غير مرئي، وإنّ رأوها فلن يبالوا بها، فهي ليست سبب وجودهم هنا، أمّا بالنسبة ليسوع فقد صارت هي محور الوجود بأسره، أراد أن يعرف من هي وأين هي، أراد أن يقودها الى الخلاص الحقّ. الإيمان العميق هو ان أعرف أنّ الربّ يعرفني، ويريد صداقتي، أنّه يفتّش عنيّ دوماً ويبالي بوجودي، يريد أن يقودني الى الخلاص الحقّ، لا أن أبقى متغمساً في سدّ حاجاتي دون النزوح الى ما هو أعمق وأسمى. 
- الإيمان هو أن يصبح للإنسان هويّة على ضوء علاقته بيسوع المسيح: لقد وقفت النازفة امام يسوع، قادها يسوع للوقوف امامه وجهاً لوجه، رأت وجه يسوع، والأهمّ هو أن يسوع قد رأى وجهها. في الحضارة اليونانيّة القديمة كان يُطلق على العبد صفة
aprosopon أي الّذي لا وجه له. الوجه في الحضارات القديمة، كما اليوم، يشير الى الهويّة، فحين نفكّر في شخص ما تخطر صورته على بالنا. أن يمتلك الإنسان وجهاً يعني أن تصبح له هويّة، يصبح فرداً مميّزاً. لقد قاد يسوع الإمرأة من حالة الإنسان الفاقد لهويّته الى حالة الصديق، مالك لشخصيّة ولهويّة، لتاريخ ولسيرة حياة. إن الإيمان يدخلنا في هذا النوع من العلاقة مع الرّب، حالة الصداقة، يسوع يعرفني ويميّزني، وأنا أعرف يسوع، يصبح محوريّاً في حياتي. 
- الإيمان لا يمكن أن يكون مفصولاً عن الإعلان: بعد أن رأت وجه يسوع "أخبرته أمام الناس كلّهم لماذا لمسته وكيف شفيت في الحال" (8، 47). في هذه العبارة نجد الشفاء الحقيقيّ، "أخبرته لماذا لمسته": لقد باحت بأكثر الأمور خصوصيّة، أمور حتى إمرأة من عصرنا تخجل من البوح بها. شفاؤها الحقيقيّ كان تحرّرها الداخليّ، لقد أمضت سنواتها الأثنتي عشرة الأخيرة تحاول أخفاء داء يؤديّ بها الى العزل عن المجتمع، داء جعلها تتراجع عن المجتمع وتدخل في وحدتها. وها هي الآن تعلن على الملأ ليس شفاءها فحسب، بل ممّاذا شُفيت. لقد أعاد المسيح لهذه الإمرأة حريّتها، أخرجها من سجن خوفها وخجلها، جعلها تتصالح مع ماضيها، لتنطلق نحو مستقبل أعدّه الله لها. لم تعد تحيا في الخفاء ما هي عاجزة عن إعلانه على الملأ، لقد دخلت بالمسيح، وبواسطة الإيمان، في حالة المصالحة مع الذات ومع الآخرين. لقد شهدت الإمرأة ليسوع الشافي جرح قلبها، دخلت في عداد تلاميذه الكثيرين، يحيون تتلمذهم في صمت الإيمان والصلاة وفي شهادة الحياة. 

ثمرة الإيمان هو سلام القلب: أرسله المسيحُ الإمرأةَ بعد أن شفاها قائلاً لها: "يا ابنتي، إذهبي بسلام"، هو المسيح الّذي يلد الى حياة جديدة إمرأة لا بدّ أن تكون أكبر منه عمراً. كلمة "يا ابنتي" تصبح علامة الحياة الجديدة، لقد وُلدت من جديد، إنطلقت من جديد في مسيرة الحياة بعد أن توقّفت حياتها قصراً. إذهبي بسلام، إنّما أي سلام؟ هي أمرأة تنطلق الى مستقبل مجهول، لا نعرف إن كانت متزوّجة، إن كان عندها من يعتني بها، نعلم أنّها قاست الكثير من الألم، ونعلم أنّها أنفقت كلّ ما تملك، تذهب الآن دون ضمانات ماديّة، تذهب لتكمل حياتها القديمة بمنطق جديد، بمنطق الشفاء. 
السلام الّذي أعطاها إيّاه المسيح حين أرسلها هو ليس سلام العالم، السلام المبنيّ على الإكتفاء الماديّ وعلى الضمانات الملموسة، هو سلام المؤمن بعناية الرّب به، يعلم أن الرّب حاضر، يرافق التلميذ في كلّ لحظة وفي أحلك لحظات حياته. هذا السلام هو ثمرة الأيمان، ميزته انّه لا يوصف، ولا يُفسّر، غير منطقيّ بالنسبة لمنطق العالم، هو سلام يحياه التلميذ لأنّه يملك الرّب ويعرف أن السيّد حاضر في حياته. هو سلام من يسير في الطريق مع الحبيب، لا يخشى الصعوبات، ولا يفكّر في المخاطر ولا يترقّب الهدف، فكلّ اهتمامه ينصبّ على الحبيب المرافِق، على يسوع الّذي يختصر في شخصه الطريق والهدف. 

إحياء إبنة رئيس المجمع: 
نجد في حركات يائيرس نقاط عديدة تتشابه ونصّ النازفة، وعدّة نقاط إختلاف: 
نقاط الإختلاف: من ناحية الإختلاف يقول النصّ عن الرجل أنّه "رئيس المجمع" (8، 41)، أي هو الرجل المسؤول عن إدارة شؤون كلّ ما يتعلّق بالمجمع، ومن ضمن واجباته أيضاً مراقبة تتميم الشريعة، أي منع من هم في حالة الإمرأة النازفة من الدخول الى مكان الصلاة. لقد كان هذا الرجل نافذاً بحكم وظيفته، يملك المال والخدم، أمّا الأمرأة فكانت معدمة، لأنّ مالها قد أّنفق على الأطبّاء. جاء الرجل مباشرة من أمام يسوع وتكلّم اليه، بعكس الإمرأة، فهو لم يكن عنده شيء يخفيه، لقد كان سائراً ضمن تعليم موسى ومولَجاً إدارة شؤون بيت الله، كان رجلاً ذو كرامة، تتداخل حياته بحياة امرأة لا كرامة لها، نجسة بحسب الناموس، تخفي حقيقتها، وتبقى بعيدة عن بيت الله. 
نقاط التشابه: إمّا من ناحية التشابه بين الشخصين فهو التتلمذ ليسوع المسيح، يائيرس ارتمى كما سوف ترتمي الإمرأة عند قدمي يسوع، يعلن تتلمذه ليسوع، ويعلن أمام الجميع عن قدرة يسوع على شفاء ابنته. لقد سجد الناموس القديم لشريعة المحبّة الجديدة، شريعة يسوع المسيح. لم يستطع الناموس أن يعطي يائيرس خلاص ابنته كما أنّه همّش عن الحياة الروحيّة النازفة بسبب مرضها. 
نقطة التقاء واختلاف بين الشخصين هي فترة الأثتني عشرة سنة، فحين وُلدت أبنة يائيرس بدأ مرض الأمرأة. اثنتي عشرة سنة قضتها الأمراة في مرضها، وقضاها الرجل في حياة الأب الطبيعيّة. ألم الإمرأة وجد نهايته بيسوع، وفرح الأب وسعادته بابنته الوحيدة (8، 42) ظهرت فارغة وهشّة، معرّضة للتحطّم في لحظة واحدة بسبب المرض والموت، فنالت ضمانتها بيسوع المسيح. يسوع وضع نهاية لألم الأمرأة، وأعطى السعادة الحقيقيّة للرجل الثكيل. يائيرس والنازفة فصلهما الناموس وجمعهما الإيمان وشفاهما: "يا ابنتي إيمانك خلّصك" (8، 48)، و"يكفي أن تؤمن فتُشفى ابنتك" (8، 50). إن الإيمان قدّ خلّصهما، ردّ للوالد ابنته، وأعطى للمرأة الوحيدة أباً جديداً، صار المسيح والداً لها لحياة جديدة. 

إن مسيرة إيمان الإمرأة تكتمل أيضاً باختبار يائيرس، فموت الإبنة يختصر كلّ ألمنا البشريّ وهشاشة طبعنا. يضعنا النّص بين ضعف قدرة الإنسان الذاتيّة وبين عظمة الرجاء الّذي يصبح بيسوع المسيح خلاصاً. منطق البشر يظهر من خلال كلمات خادم يائيرس: "لقد ماتت ابنتك، فلا تزعج المعلّم"، كلمات تلخّص مفهومنا للموت، هو نهاية، فلا نزعج المعلّم، لأنّ لا نفع من طلبنا بعد الآن. إنّما في لحظة النهاية هذه، حين يقف الإنسان أمام عجزه ومحدوديّته، يبدأ عمل الله، فإلهنا هو إله المستحيل، إله الرجاء الّذي لا يعرف حدوداً. 
بعمله هذا يظهر لوقا البعد المسيحانيّ لعمل يسوع وتحقّق نبوءة العهد القديم: "فقالَ الرّبُّ لي: "يا اَبنَ البشَرِ، هذِهِ العِظامُ هيَ بَيتُ إِسرائيلَ بأجمعِهِم. هُم يقولونَ: يَبِست عِظامُنا وخابَ رجاؤُنا واَنقطعنا. لذلِكَ تنبَّأْ وقُلْ لهُم: هكذا قالَ السَّيِّدُ الرّبُّ: سأفتَحُ قُبورَكُم وأُصعِدُكُم مِنها يا شعبي، وأجيءُ بكُم إلى أرضِ إِسرائيلَ. فتعلمونَ أنِّي أنا هوَ الرّبُّ حينَ أفتحُ قُبورَكُم وأُصعِدُكُم مِنها يا شعبي. وأجعَلُ روحي فيكُم فتحيَونَ وأُريحُكُم في أرضِكُم، فتعلمونَ أنِّي أنا الرّبُّ تكلَّمتُ وفعَلتُ، يقولُ الرّبُّ" (حز 37، 11-13) الإيمان لا يعطينا خلاصاً في وجودنا الحاضر فحسب، بل يجيب على أعمق تساؤلاتنا الوجوديّة وأكثرها بعثاً للقلق: الموت. لذلك أورد لوقا هاتين الروايتين معاً، ليعلن بطريقة سرديّة أن المسيح لم يأت ليشفي أمراضنا ويحققّ خلاصنا الزمنيّ، إنّما جاء يعلن أنّه قادر على إعطاء أجوبة وجوديّة، ويُظهر أنّ لا يمكن أن تكون للموت الكلمة الأخيرة، لقد إنتصر على الموت، وأعاد الحياة لهذه الصبيّة. أرجع المسيح الحياة الى الفتاة إنّما لم يعطها القيامة الأخيرة بعد، أيقظها من الرقاد وأمرهم بإحضار الطعام لها. هي بداية جديدة سوف تنتهي بالموت الطبيعيّ مرّة أخرى، إنّما القيامة الحقيقيّة سوف تتم على ضوء قيامة المسيح. لقد مات المسيح عنّا، وبموته قتل الموت، وأعطى بشريّتنا الحياة الأبديّة. 

تأمّل: 
أين أنا من إيمان يائيرس والإمرأة النازفة؟ هل إثق بيسوع وأعلنه مخلّصي الأوحد؟ كم أتّكل على المال، أنفق كلّ ما لديّ، أستنزف قواي كلّها مفتّشاً عن الخلاص، كم اصطدمت مراراً بعجزي وبفشلي! فهل عندي الشجاعة لأرمي بذاتي بين يدي الله؟ أسمح له أن يعمل في داخلي؟ هل أسعى الى لمسه؟ 
كم تهرّبت من النظر في عينيه مغمضاً عينيّ عن تقصيري وإهمالي. أعرف جيّداً إرادته في حياتي، من خلالي أهلي ورعيّتي، أقرأ إرادته في الكتاب المقدّس، وأسمعها في تعاليم الكنيسة، أعرف ماهيّة إرادة في ألم الفقير والمتألّم والوحيد، وبرغم هذه كلّها، أبقى مغمضاً عينيّ، ألمس الربّ من الخلف، لا أملك الشجاعة للذهاب اليه والنظر في عينيه لأرى نقصي فأعترف به وألمس الشفاء. 
مثل النازفة أنظر الى سنيّ حياتي تمرّ سدىً، ومثل رئيس المجمع اتّكل على سعادتي العابرة، ابني عليها أحلامي وتطلّعاتي. مثل النازفة أتّكل على مالي وعلى الأطبّاء ومثل يائيرس أتّكل على تطبيق شريعة الحرف وأهمل الحقّ. مثل النازفة أهرب من لقاء الرّب ومثل يائيرس أسخر منه ضاحكاً، لا اصدّق أنّه قادر ان يعيد الى حياتي الحياة. حين يُسد أفقُ الرجاء، وأصل الى الحائط المسدود، حين أستنزف كلّ طاقاتي دون جدوى، أصبح مثل الطفل، عاجزٌ لوحده ومتّكل على أبيه. يائيرس كان يعلم ما معنى الأب، فأدرك سرّ المسيح، والنازفة بيسوع صار ابنة، عادا كلاهما الى تواضع الطفولة المتّكلة على عناية الوالد، علموا أن الشفاء هو بالكفّ عن الكفاح بالوسائل البشريّة والإتّكال على قوّة الرّب المخلِّصة، عنها فقط صار للنازفة حريّة الروح، وعاد لرئيس المجمع فرح الحياة.

.

زمن الصوم

shefa2abras

الاحد الثاني: شفاء الابرص

الرسالة:

(روم ٦، ١٢-١٨)

لا تَمْلِكَنَّ الخَطيئة بَعْدْ في جَسَدِكُم المائت، فَتُطيعوا شَهَواتِهِ. ولا تَجعَلوا أعضاءكُم سِلاحْ ظُلمٍ لِلخَطيئة، بَلْ قَرِّبوا أنفُسَكُم لله كأحياءٍ قاموا من بَينِ الأموات، واجعَلوا أعضاءَكُم سِلاحَ بِرٍّ لله. فلا تَتَسلَّط علَيكُم خَطيئة، لأنَّكُم لَستُم في حُكمِ الشَريعة بَلْ في حُكمِ النِّعمة. فماذا إذاً؟ هَلْ نَخطأُ لأنَّنا لَسنا في حُكمِ الشَّريعة، بَلْ في حُكمِ النِّعمة؟ حاشا! ألا تَعلَمونَ أنَّكُم عِندما تَجعَلونَ أنفُسَكُم عَبيداً لأحَدٍ فَتُطيعونَهُ، تَكونونَ عَبيداً للذي تُطيعونَهُ: إمّا عَبيداً لِلخَطيئة التي تَؤولُ إلى المَوتْ، وإمّا لِلطاعة التي تَؤولُ إلى البِرّ. فَشُكراً لله لأنَّكُم بَعدَما كُنتُم عَبيدَ الخَطيئة، أطَعتُم مِن كُلِّ قَلبِكُم مِثالَ التَّعليم الذي سُلِّمتُم إلَيهِ. وبَعدَ أن حُرِّرتُم منَ الخَطيئة، صِرتُم عَبيداً لِلبِرّ.

الانجيل:

(مر ١، ٣٥-٤٥)

قامَ يسوعُ قَبْلَ طُلوعِ الفَجر، فَخَرَجَ وذَهَبَ إلى مَكانٍ قَفْر، وأخَذَ يُصلّي هُناك. ولَحِقَ بِهِ سِمعانُ والذينَ مَعَهُ، ووَجَدوهُ فقالوا لَهُ: "الجميع يَطلُبونكَ". فقالَ لَهُم: "لنَذهَبْ إلى مَكانٍ آخَر، إلى القُرى المُجاوِرة، لأكرِزَ هُناكَ أيضًا، فإنّي لهذا خَرَجْتُ". وسارَ في كُلِّ الجَليل، وهوَ يَكرِزُ في مَجامِعِهِم ويَطرُدُ الشياطين. وأتاهُ أبرَصُ يتَوَسَّلُ إليه، فجَثا وقالَ لَهُ: "إن شئتَ فأنتَ قادِرٌ أن تُطضهِّرَني!". فتَحَنَّنَ يسوع ومَدَّ يَدَهُ ولَمَسَهُ وقالَ لَهُ: "قَدْ شئتُ، فاطْهُر!". وفي الحالِ زالَ عَنهُ البَرَص، فَطَهُرَ. فانتَهَرَهُ يسوع وصَرَفَهُ حالاً، وقالَ لَهُ: "أُنظُر، لا تُخبِر أحَداً بِشيء، بَلْ اذهَبْ وأرِ نَفْسَكَ لِلكاهِن، وقَدِّمْ عَنْ طُهرِكَ ما أمَرَ بِهِ موسى، شَهادَةً لَهُم". أمّا هو فَخَرَجَ وبدأ يُنادي بأعلى صَوتِهِ ويُذيعُ الخَبَرْ، حتّى إنَّ يسوع لَمْ يَعُدْ قادِراً أن يَدخُلَ إلى مَدينَةٍ علانيَة، بَلْ كانَ يُقيمُ في الخارِج، في أماكِن مُقفِرة، وكانَ النّاسُ يأتونَ إلَيهِ مِن كُلِّ مَكان.

تأمل في الانجيل:

"وقام قبل طُلوع الفَجر فخَرجَ وذهب إلى مكان مُقفَر وأخذَ يُصلّي هُناك" يحتل المكان المُقفَر أهميّة كبرى في إنجيل مرقس وفي الأناجيل الإزائيّة، أهميّة نجد جذورها في العهد القديم، لا سيّما في سفر الخروج. إنَّ القَفر أو الصحراء، هو مكان الوحدة، مكان الخطر، تحت رحمة عناصر الطبيعة، الحَرّ والبرد والرمال، في خطر من الوحوش المُفترسة. هو مكان الوِحدة، حيث لا رفيق ولا صديق ولا مُعين عند الحاجة. هو المكان حيث لا ماء تروي الظمأ وحيث الأرض تُبخل بخيراتها على الإنسان الجائع. المكان القفر هو حيث قايين أخرج أخاه إليه فقتله، القفر هو المكان الذي آوى إليه إيليّا هربًا من ظلم الملك وزوجته، القفر هو المكان الذي قاد الربّ شعبه إليه ليحرّره، مكان عانى فيه الشعب الجوع والعطش والخطر، يئس من انتظار الخلاص والخلاص يتأخَّر دومًا، انتظروا صعود موسى إلى الجبل وصنعوا لهم إلهًا آخر، تركوا الربّ بحثًا عن خلاص سهل، فأغرقتهم الخطيئة في عبوديتهم بدل أن ينالوا الخلاص المَرجوّ. 

الشعب يُخطىء والربّ ينتظر، الشعب يتوب والربّ يغفر، المكان القفر هو مكان الخيانة والتوبة، مكان الحب الجريح والحب الشافي، حُبّ الإنسان المتردِّد وحُب الله الثابت. في البريّة جاع الشعب فأعطاه الله مأكلاً، عطش الشعب فأعطاه الله الماء العذب في صخرة قاسية. هذه هي البريّة، مكان قاسي مُقفر خطر، فيه يكتشف الإنسان مدى حاجته الدائمة لحضور الله في حياته. حيث ينتفي كل رجاء مادّي وإنساني. يتجلّى الله العضد الأوحد والأقدر. البريّة هي مكان العرس الروحي بين الله والشعب، يقود الله الشعب إلى الصّحراء ليعلن له مدى حبّه له ويدخله في العهد مجدّداً، هو مكان الأمانة رغم التضحية. لذلك يعود الربّ إلى البريّة، يدخل في صحراء الوجود الإنساني ليُعلن من جديد أنّه أتى يجدّد الشعب القديم، جاء يعلن للإنسان من جديد أنّ الله لا يزال معه حاضراً في حياته يقوده ويعتني به، وهو وحده قادر على إعطائه الخلاص.

يأخذ يسوع في البريّة دور الله ودور الإنسان: 
يخرج المسيح إلى البريّة باسم البشريّة كلها. يذهب إلى البريّة ليصلّي، يعيد بعمله هذا الإنسانيّة كلها إلى علاقتها بالله. هو الظهور الثالث للمسيح في البريّة في إنجيل مرقس: 
- يسوع يعتمد من يد يوحنّا في البريّة (1 ، 4) 
- يسوع يُخرجه الروح القدس إلى البريّة ليُجرّبه الشيطان (1 ، 12) 
- يسوع يخرج مجدداً إلى البريّة للصلاة (1 ، 35) 
هو موسى الخارج من مياه النّيل حين كان طفلاً ومن مياه بحر القصب المشقوق بيد الله القديرة ساعة الخروج من مصر، هو موسى في الصّحراء أربعين سنة يجرّبه الشرير، يدعوه إلى ترك الله والبحث عن الأسهل، وهو ما سوف يقوم به الشعب بعبادتهم العجل الذهبيّ. هو موسى المُصلّي على الجبل يضرَع من أجل شعبه الخاطىء وينال من الربّ المَغفرة. خروج يسوع إلى البريّة هو إعلان غير مباشر عن هدف مجيئه، هدف "خروجه" لا من كفرناحوم إلى البريّة، بل خروجه أيضًا من حضن الآب إلى العالم: لقد أتى يقود الإنسان من عبوديّة الخطيئة إلى حياة النّعمة بإشراكه في الحياة الإلهيّة. 

فبحث عنه سمعان ورفقاءه ولمّا وجدوه قالوا له "جميع النّاس يطلبونك" 
هذه الآية تحمل أيضًا بُعداً تعليميًّا لكي نفهمه يجب أن نعرف الإستعمال المرقسيّ لكلمة "الجميع" وفعل "طلب". نجد في إنجيل مرقس حَذَراً من "الجمع" أو "الكل"، ونجدها دومًا في موقع يعاكس موقع التّلميذ أو منطق التّتلمذ. فالجَمع لا هويّة له، هم مجموعة من الأشخاص تبعوا يسوع إعجابًا بقوّته ومعجزاته، لا رغبة بالتّتلمذ. هم الجموع بمنطقهم المتناقض وغير الثابت، تارة يتبعونه ويفتّشون عنه، وتارة يصرخون طالبين صلبه. 
إنَّ تحاشي يسوع للجموع وللمنطق الشعبويّ في إنجيل مرقس يهدف إلى غاية أبعد من الحقيقة التاريخيّة، هي رسالة موجّهة إلى الكنيسة المرقسيّة: دعوة إلى اتّباع يسوع لا بسبب المعجزات والخوارق، لا بسبب الإعجاب العابر، فيسوع ليس ساحراً، ولا بسبب غايتهم الخاصّة، إن كانت الشّفاء أو السّعادة أو كل ما يرغب الإنسان بالحصول عليه. إتّباع يسوع يُبنى دومًا على إيمان شخصيّ وعلى قبول يسوع المتألِّم وحمل صليبه يوميًّا. هذه الجموع التي تحاشاها يسوع هي جموع المعجبين غير المؤمنين، هم الذين رفضوا حقيقة يسوع المتألِّم وصليبه في حياتهم الخاصّة. 
هي رسالة توَجَّه إلى مسيحي اليوم: أي مسيح يتبع؛ المسيح صانع المعجزات والخوارق أم يسوع المتألِّم والمائت على الصّليب حبًّا بنا. منطق الجموع هو أيضًا منطق الّلاهويّة. هم مجموعة من الأشخاص تبعو يسوع لأنَّهم سمعوا عنه، لم يدخلوا في علاقة شخصيّة معه كما التّلاميذ، لم يصبح لهم إسم كما سمعان وإندراوس ويعقوب ويوحنا الذين سبق فدعاهم في النّص السابق. دعوتنا المسيحيّة للتتلمذ ليسوع المسيح لا يمكن أن تكون دون هويّة، لا يمكن أن أكون تلميذاً للمسيح بناءً على ما سمعته، دعوتي هي التّعرف إليه كل يوم والدخول في علاقة شخصيّة معه، علاقة صلاة، علاقة صداقة، علاقة معرفة وقبول لإرادته في حياتي مع كل ما يمكن أن يتطلبه هذا الأمر من صعوبات. 
هذا البُعد اللاهوتي والتعليمي يفسِّر هذا التناقض بين معجزات يسوع الكثيرة في اليوم الأول ورفضه العودة إلى المدينة في صبيحة اليوم الثاني، كما يفسِّر العديد من نقاط هذا النّص المُبهمة. كما انّ الفعل الذي يستعمله مرقس
zetew، فتِّش يحمل معنى أبعد من مجرَّد التفتيش عن شيء ضائع، هو يعني بحث وتحقّق، تحرّى عن (كما في مر 11، 18) وأيضًا بمعنى ابتغى الشيء وأراد امتلاكه (كما في متى 6، 33 ؛ 26، 59 ؛ لو 22، 6). هو تفتيش اليهود عن يسوع ليمتلكوه لا ليمتلكهم هو، وليهلكوه حين فشلوا في جعله أداة لأهدافهم ولتطلّعاتهم. إتّباع يسوع لا يكون بامتلاكه، فالمعلّم هو مالك التّلميذ، ويسوع لا يمكننا أن نمتلكه يومًا بمنطقنا البشريّ وبعقلنا المخلوق. علاقتنا بيسوع هي علاقة حُب، والحُب لا يُمتلَك، الحُب هو أن يضع المرء ذاته في تصرُّف الحبيب، واثقًا به، مؤمنًا به، ومفتِّشًا عن خدمته. 

لهذا خرجت: 
إنّ فعل
Exerxomein المؤلَّف من Ex: خارج، و Epxomai: آتٍ، يُعَبِّر عن حالة خُروج ليست فقط مكانيّة إنّما خاصّة كيانيّة. هو المسيح الخارج ليس فقط من كفرناحوم، إنّما هو المسيح الكلمة الخارج من حضن الآب إلى العالم حاملاً إليه كلمة الخلاص. يعبّر هذا الفعل عن هويّة المسيح المُرسَل والنبيّ، الآتي إلى العالم ليُعلِن لهُ إرادة الآب ويتمِّم الخلاص. هذا ما يُظهر محتوى الآية 38، "فإنّي لهذا أتيت"، أتى يحمِل الخلاص لمن هُم بعيدون عن الآب ليُعيدهم إلى علاقة البنوّة ويجدِّد العهد في قلوبهم. 

"فذهب إلى جميع نواحي الجليل": 
الجليل هو مكان مرذول بالنسبة ليهود الجنوب، فالجليل هو جليل الأمم، جليل الوثنيّين، وأهل الجليل هم في علاقة دائمة بأهل فينيقيا والشعوب المجاورة، ومن خلال علاقات التّجارة تدخل الآلهة الغريبة. يسوع يخرُج إلى الشعب المُهمَّش، الخاطىء، الموصوم من قِبَل أهل اليهوديّة بأنَّه شعب الأصنام. شعب خاطىء خائن ليهوه إله العهد. خروج يسوع الى الجليل هو إعلان لإرادة الله في التفتيش عن الأكثر تهميشًا، الشعب المُهمَّش. شعب الشمال يسترعي اهتمام يسوع، وفي داخل هذا الشعب نفسه يسترعي اهتمام يسوع صرخة رجُل مُهمَّش، الرجل الأبرص يتَّجه إليه صارخًا: "إن شئتَ أنت قادِر أن تُطَهِرني". 

"فجاء إليه رجل أبرص": 
البرص، أكثر من الأمراض الأخرى كلّها، كان المرض الأكثر خطورة بالنّسبة لكل المجتمعات القديمة. وكان ناموس العهد القديم يفصِل الأبرص عن المجتمع جسديًّا وروحيًّا، فلا يُمكنه أن يسكن في المدينة ولا يحقّ له المشاركة في صلاة الجماعة. يَنُصّ كتاب اللاويّين على أن: "والأبرَصُ الذي بهِ البَلوى يَلبَسُ ثيابَهُ مَشقُوقةً، ويكشِفُ رأسَه، ويُغَطِّي شاربَيهِ ويُنادي: نَجسٌ، نَجسٌ. ما دامت بهِ البَلوى يكونُ نَجسًا، ويسكُنُ مُنفرِدًا وفي خارِج المَحلَّةِ. " (13، 45-46). كان البَرَص يُعتَبَر لعنة من الله تُصيب الإنسان الخاطىء، والأبرص كان إنساناً مَرفوضًا من الجميع، مُهمَّشًا، لا يُلمِسُ أحداً ولا يُلمَسْ، فكلّ من مَسَّ جِسمه يُصبح بدوره نجِسًا لا يقترب من الجماعة ولا يُقرِّب الذبائح. المرض يتكفَّل بموت الجسد، والنّاموس يأخُذ على عاتقه موت الرّوح والهويّة. 
البَرَص حرمَ هذا الرجل حقوقه الإجتماعيّة والإنسانيّة والروحيّة، تحوَّل من فَرْد إلى عدوّ، من كائن حيّ مندفع نحو مستقبل إلى ميت حيّ يموت كل يوم رويداً رويداً، يهترىء جسده بسبب البرص وتموت روحه من قسوّة الإخوة. شبيه بمَيْت متعفِّن، ممزَّق الثياب، أشعث الشعر، يخفي لحيته علامة الحِداد، يُعلن الحِداد على ذاته لأنَّه صار مَيْت، وما من أحدٍ يلبس الأسود حِداداً عليه. 

"إن شئتَ فأنتَ قادِر أن تُطَهِّرني": 
ما يُمَيّز هذا الأبرص عن الحُشود التي تتبع يسوع هو الإيمان والإتّكال. بكلماته القليلة أعلن الأبرص إيمانًا كبيراً، أعلن عن قُدرة يسوع على شفاءه، إنّما أعلن أيضًا عن ثقته بإرادة الربّ التي تقود وجوده. لم يقل "إشفني" بل أعلن عن إيمانه بقدرة الربّ وتَرَك له حريّة التصرُّف. 
يقدِّم مرقس في هذه الآية مثالاً للتلميذ: - إيمان بقدرة الله على العمل في حياة الإنسان. - ثقة بإرادة الله وعنايته، يؤمن التلميذ بقدرة الله على تغيير واقعه، إنّما يعرف أيضًا أنّ طُرُق الربّ لا تُسبَر ووسائله لا تُعَدّ. المؤمن هو الكائن الذي يضع ذاته رهن إرادة الله واثقًا بقدرته إنّما خاصةً بعنايته وبجوده مخطّط الله في حياته. - أمّا الجمع فهم يتبعون يسوع فقط لينالوا المعجزة، ليحصلوا على ما يريدون، لا يقدرون على تمييز إرادة الربّ ومخطّطه، يريدون مخطّطًا على قياسهم وبحسب رغباتهم: أرادوه مُحَرِّراً من حُكم الرومان لهم، أرادوه ملكًا زمنيًّا يُعيد الحكم إلى إسرائيل، رغبوا به ثائراً على رأس عصابة من عصابات يهود ذلك الزمان يُغِيرون على قوافل الرومان وعساكرهم ليقتلوا ما قدّر لهم أن يقتلوه. وغابت عنهم إرادة الربّ ذاته، رفضوا الملك الوديع وملك السلام، لم يثقوا بحقيقته هذه فأسلموه للموت، صرخوا بصوت واحد، قضوا أيّامهم أفراداً لا يجمعهم الواحد بالآخر شيئاً، وما وحَّدهم في النّهاية شيء إلاّ رغبتهم في إبادة حاكم غير نافع، فصرخوا بصوت واحد: "اصلبه". 

"أشفق عليه يسوع" 
إن الفعل المُستعمل
SPLANXIZOMAI بمعناه الأصلي إنفتاح الأحشاء، وبنوع أخص رحم الإمرأة، وهي ترجمة للكلمة العبريّة REHAMIM الرحمة، الشفقة وهي بدورها مشتقة من كلمة رَحَم الإمرأة. يتخطّى المعنى اللاهوتي لهذه الكلمة معنى الشفقة السطحي والعابر، فهي تعبِّر عن فِعل إعطاء حياة جديدة، هو الله الذي يرحم، أي الذي يخرج من رحمه الإنسان المُحتاج إلى حياة جديدة.

ومَدَّ يده ولمسه وقال له: "أريد فاطهر" 
تعبِّر هذه الآية بأسلوبها الأدبي السريع عن رغبة يسوع في شفاء الأبرص. لم يأخذ وقته في التفكير، لم يبدأ بالكلام، بل باشر العمل دون مقدمة. مدَّ يسوع يده ولمسه مخالفًا شريعة موسى ظاهريّاً إنّما متمِّمًا إيّاها بالفعل. لم يكن من الممكن لمس الأبرص دون التعرُّض للنّجاسة والفصل عن حياة الجماعة لغاية تتميم فروض التطهير، ولكن الشريعة أعلنت أن الله لا يريد هلاك الخاطىء بل توبته، أشارت إلى أن الله هو الذي يأتي يشفي جراح الإنسان ويعيده إلى العلاقة الأصليّة. 
لقد مدَّ يسوع يده ولمسه، داوى الربّ المريض أولاًّ روحيًّا وإنسانيًّا، فألَم الأبرص الأكبر لم يكن المرض بقدر ما كانت العزلة والرفض. كم من سنين مضت دون أن يلمسه أحد؛ وكيف يُلمَس وهو النَّجِس؛ لقد شفى الربّ هذا الإنسان من وحدة قلبه بلمسه، أعاده إلى داخل المُجتمع إذ أعاد ربط علاقة قد انقطعت منذ زمن. لقد لمس يسوع الأبرص كما لمس الآب الخالق آدم وأخرجه من التراب، هي اللمسة الإلهيّة تُعطي الإنسان هويّته الحقيقيّة، تجعله ملموسًا من قِبَل الله، صديقًا له، يدخل في علاقة معه. 
"قد شئت فأطهر": إنّه فِعل الإرادة، فالله يرد شفاء الأبرص منذ لحظة مرضه، إنّما كان ينتظر طلب الأبرص وإرادته، فالرب يريد ولكنه لا يقدِر إن لم يفتح الإنسان باب قلبه له ويطلب إليه الدخول. 
فاطهر: لم يقُل يسوع اشف، كما أنَّ الأبرص لم يطلُب الشفاء بل التطَهُّر. هو فِعْل ليتورجي ديني لا فِعْل يُستَعمَل في إطار الطُب. الشفاء الحقيقي، مثل الطلب الحقيقي، كان أن يدخل الأبرص من جديد إلى العلاقة مع الله ومع المجتمع من خلال الجماعة المصلّية. 

"فانتهره يسوع وصرفه": 
هذه القساوة التي يُعطيها مرقس ليسوع هي ذات بعد لاهوتي، هو يسوع الذي يحذِّر الأبرص من إعلان هويّته، فالخطر الأكبر هو أن يُعلَن المسيح للبشر كالمسيح الشافي، مجترح المعجزات والشافي، المتكلِّم بسلطة، ويُهمَّش المسيح المصلوب، المتألَّم. الخطر، كل الخطر، هو في إعلان مسيح منتصر وإهمال المسيح المصلوب. 
إنَّ حقيقة يسوع لا تُعتَلَن بملئها إلاّ فوق الصليب، وعلى تلميذ المسيح أن يؤمن به متألِّمًا مائتًا على الصليب وقائمًا. لذلك ينتهي الإنجيل الأصليّ لمرقس بالنّساء العائدات من القبر، فعلى التلميذ أن يختبر حدث موت المسيح وقيامته في حياته الخاصة، عليه أن يقبل سِر الألم وأن يؤمِن بإله متألِّم، مصلوب، وقائم من بين الأموات وليس فقط إلهًا مجترح معجزات، وإلاّ يبقى إيمان التلميذ ناقصًا. 
أمر يسوع الأبرص الطاهر أن يذهب إلى الكاهن للشهادة ولتقديم ما أمر الناموس به. إن يسوع المسيح هو الإله الثائر على ظلم البشر في تطبيقهم للناموس بشكل قاسي، إنّما هو لا يرفض الناموس، فالكتاب المقدّس هو كلام الله وكلام الله لا يُنقَض. الناموس الذي يأمُر الأبرص بالإبتعاد عن الجماعة هو نفسه الذي يعطيه فرصة العودة من جديد، لا يقطع الكتاب المقدس طريق العودة إلى الآب، بل هو كتاب دعوة إلى تطهُّر دائم في سبيل العودة إلى صداقة الله. إنّما الأبرص ذهب يُعلِن للجميع ما حدث له، فمن الصعب إخفاء فرح تدخُّل الله في حياتنا، إنّما الخطر يكمن في قبول الله فقط لأنَّه الشافي، قبول الله في لحظة فرح ثم ننسى أعماله ومعجزاته ما أن نعود إلى حياتنا اليوميّة. 
الجموع التي تتبع يسوع من أجل معجزاته قد وجدت في كلمات الأبرص ما يزيد فضولها واندفاعها. هذه الجموع لم تتعرَّف حتى الآن على يسوع الحقيقيّ، بل هي مجموعة تفتِّش عن حلول سهلة لحياتها، عن مُعجزات، هم ليسوا حتى الآن تلاميذ يسوع بل طلاّب مُعجزات، وبهذا المَنطق لن يمكنهم أن يكتشفوا يسوع في حياتهم. 

التأمّل: 
في هذا الأحد الأوّل بعد أحد مدخل الصوم، نتأمّل في إنجيل له بُعْد رمزيّ عميق لصومنا. إن هذه الفترة التي نعيشها هي ليست مجرّد انقطاع عن المآكل، إنّما هي بدرجة أولى فترة تطهُّر، فترة فحص ضمير وتأمّل في حياتنا، ندرك أن برص الخطيئة يُبعدنا كلّ يوم عن الله، نصبح مثل هذا الأبرص، دون علاقة مع الله، لأنّنا بإرادتنا قرّرنا الإنفصال عنه وفَضَّلنا الشّر. نجد أنفسنا منفصلين عن الكنيسة، جماعة القدّيسين، لأنّ الحياة المسيحيّة هي حياة سعي إلى القداسة، واختيار دائم لله في حياتنا. 
أخطر ما في الخطيئة هي أنّها تجعلنا ننغلق على ذواتنا، مِثل الأبرص في عزلته، تجعلنا نتقوقع على فقرنا وعزلتنا، على جراحنا وخطيئتنا، على تعاستنا ويأسنا. نحيا في حالة موت دائم ونعلم أنّ حياتنا هي في المسيح وفي الجماعة، نعلم ولا نبادر، تنقصنا الشجاعة لنعترف بخطأنا، ونعود. المسيح يريد أن يشفينا، ينتظرنا، كما انتظر كلمات الأبرص فلمسه. 
الصوم هو تفتيش عن لمسة المسيح في حياتنا، ننالها من خلال معرفة محدوديّتنا وخطيئتنا، ننالها بفعل ثقة وإيمان. كلّ واحد منّا يجد ذاته في صورة هذا الأبرص، إنّما كلّ واحد منّا يمارس قسوة الجماعة التي تفصل الخاطىء ايضاً. 
كم من الأشخاص هم اليوم مثل هذا الأبرص في حياتنا وفي مجتمعنا؟ كم من الأشخاص نهمّش ونعزل؟ نترك الخاطىء خارج باب قلبنا، لأنّه خاطىء، نُهمّشه بحكمنا الفرديّ والجماعيّ، نزيد ألم جراحه بعزله. 
كم من الأشخاص يموتون روحيّاً كلّ يوم لأنّنا نتركهم وحيدين؟ نعزلهم لأنّ في ماضيهم وصمة ما، نتحاشاهم لأنّهم قد اقترفوا خطأ ما، لأنّ المجتمع يَصِمَهم بوَصمة ما، وَصمة غفرها المسيح ولا نزال نذكرها نحن. نعزل الآخر لأنّه مختلف، لأنّه يخالفني الرأي والمعتقد أو السياسة أيضاً؟ ننتقد مجتمع إسرائيل البدائي ومجتمعاعتنا المتمدّنة تمارس عزلاً وتهميشاً أخطر وأشمل: كم من فقراء يعانون الجوع والبرد؟ كم من أيتام وأرامل لا يُعارون اهتماماً؟ كم من مرضى في مستشفيات لا يزورهم أحد؟ كم من أشخاص حولنا يحتاجون الى مجرّد لمسة، الى كلمة تعزية وتشجيع، إلى أن نذكّرهم أنّهم ليسوا وحيدين في العالم، فالله إلى جانبهم من خلالنا؟ لا نخافنّ حُكْم المجتمع في وقفتنا إلى جانب من وصمه المجتمع بعلامة سوداء، فدينونة السيّد سوف تكون: "ماذا فعلت لإخوتي الصغار؟". 
الصوم هو فترة تطهّر وتنقية للذات من كلّ برص خطيئة، هو زمن عودة إلى المسيح، هو سماع المسيح يقول لكلّ واحد منّا: "إذهب إلى الكاهن وأرِه نفسك، وأدّ التكفير". إيماننا المسيحيّ لا يكون بمعزل عن الوصايا وعن الجماعة، فالمسيح يقودنا دوماً نحو الجماعة، نحو الكنيسة، نحو الكاهن.
إيماننا ليس إيماناً فرديّاً، وتوبتنا ليست فرديّة أيضاً، فالخطيئة التي جرحت جسم الكنيسة بأسره تنال الغفران من خلال سرّ الكنيسة نفسه. نجرح الجماعة بشرّنا ونسمع منها، عبر الكاهن، كلمات المغفرة. 
لا نخفي كبريائنا أو خجلنا بستار العلاقة المباشرة مع يسوع، بقولنا: "أعترف بخطيئتي مباشرة لله"، فالكنيسة هي استمراريّة لحضور السيّد، والأسرار هي وسيلة تقديس، والتوبة والإعتراف هما فعل تواضع، فعل ثقة بقدرة الله على المغفرة وبرحمة الإخوة أيضاً. الكنيسة هي واحة حبّ، ومكان مغفرة دائمة. أنا مدعوّ لأنّ اؤديّ الكفّارة عن خطيئتي، بالصلاة والتكفير والتوبة، وبعمل الرحمة نحو الآخرين: " إن الصدقة، تجعلنا قريبين من الآخرين، تجعلنا قريبين من الله ويمكنها أن تتحوّل إلى أداة حقيقيّة للتوبة وللمصالحة معه ومع الإخوة " (البابا بندكتوس السادس عشر، رسالة صوم 2008). 
الصوم هو انتقال من حالة واحد من مجموعة إلى حالة تلميذ للمسيح. في فترة الصوم نفحص معنى إيماننا، ومعنى علاقتنا بالسيّد: لماذا أتبعه؟ ألأنّه قادر أن يشفيني؟ ألأنّه يعطيني ما أريد؟ ألأنّه يصنع المعجزات؟ هي كلّها صفات الجموع، تتركني دون هويّة، دون علاقة شخصيّة بيسوع المسيح. دعوتي هي أن أكون تلميذاً لا فرداً من مجموعة، التلميذ يثق بيسوع وبمخطّط الله في حياته، يقبل صليب يسوع في حياته برجاء وثقة. الفرد هو تاجر، يؤمن بيسوع يلبّي رغباته، والتلميذ هو صديق، يعلم أن يسوع حاضر دوماً يرافق وينمّي وينير الطريق.

زمن الصوم

 

lundidescendres

اثنين الرماد

 

الرسالة:

(2كور 5: 20 - 6: 7)

نَحنُ سُفراءُ المسيح، وكأنَّ اللهَ نفسَهُ يَدعوكُم بواسِطتِنا. فنسألُكُم باسمِ المسيح: تصالَحوا مع الله! إنّ الذي ما عرفَ الخطيئة، جعلَهُ اللهُ خطيئةً من أجلِنا، لنصيرَ نحن فيه بِرَّ الله. وبِما أنّنا مُعانونَ لله، نُناشدُكُم ألاّ يكونَ قَبولُكُم لنعمَةِ اللهِ بغَيرِ فائدة؛ لأنّه يقول: "في وقتِ الرِّضى استجبْتُكَ، وفي يومِ الخلاصِ أَعنتُكَ". فها هو الآنَ وقتُ الرِّضى، وها هو الآنَ يومُ الخلاص. فإنَّنا لا نجعلُ لأحدٍ سببَ زَلَّة، لئلاّ يَلْحَقَ خِدمتَنا أيُّ لَوم. بل نُظْهِرُ أنفُسَنا في كلِّ شيءٍ أنّنا خُدّامُ الله، بثباتِنا العظيمِ في الضّيقاتِ والشدائدِ والمشقّات، في الضَّرَبات، والسجون، والفِتَن، والتعب، والسهر، والصوم، بالنزاهة، والمعرفة، والأناة، واللُّطف، والروح القدس، والمحبّةِ بلا رِياء. في كلمةِ الحقِّ، وقوَّةِ الله، بسلاحِ البِرِّ في اليدَينِ اليُمنى واليُسرى.

 

 

الانجيل:

(متّى 6: 16 – 21)

قال الربُّ يسوع: "متى صُمتُم، لا تُعَبِّسوا كالمُرائينَ، فإنَّهُم يُنكِّرونَ وُجوهَهُم ليظهروا للناسِ أنّهم صائمون. الحقَّ أقولُ لكم: إنَّهُم قد نالوا أجرَهُم. أمّا أنتَ، متى صُمْتَ فادهُنْ رأسَكَ، واغْسِلْ وَجهَكَ، لئلاّ تظهَرَ للناسِ أنَّكَ صائم، بل لأبيكَ الذي في الخَفاء، وأبوكَ الذي يرى في الخَفاءِ هو يُجازيك. لا تَكنِزوا لكم كُنوزًا على الأرضِ، حيثُ العُثُّ والسُّوسُ يُفسِدان، وحيثُ اللُّصوصُ يَنْقِبونَ ويسرقون. بلِ اكنِزوا لكم كُنوزًا في السماء، حيثُ لا عُثَّ ولا سوسَ يُفسِدان، وحيثُ لا لُصوصَ يَنقُبونَ ويسرقون. فحيثُ يَكونُ كنزُكَ، هناك يكونُ أيضًا قلبُكَ.

 

 

تأمل في الانجيل:

قد نخجل نحن مسيحيو اليوم إذا ما فتحنا سفر أشعيا النبي وقرأناه مُعلناً: "الصوم الذي أريده هو أن تُحل قيود الظلم، وتفك سلاسل الإستعباد ويُطلق المنسحقون أحراراً وينزع كل قيد عنهم". (أش58، 6). نخجل لأننا نوشك أن نحيد عن الطريق، نرمي الجوهر بحثا عن قشور، ونغض الطرف عن المحوريّ متمسكين بما هو عابر
نبحث عن بعض إماتات، حاصرين صيامنا بامتناع عن طعام ننتظر دقائقه تمر متباطئة، أو نقطع عهداً بانقطاع عن أمر نحبّه، منتظرين إنتهاء أيام أربعين لنعود إليه بنهم أكبر
ليس الصوم هذا إذا ما عدنا إلى أشعيا النبي، "ليس هو أن أحني رأسي كعشبة وأفترش المسح والرماد" (58، 5)، والويل لي إذا حصرت الصوم بهذا وحده
منطق صومنا هو منطق مجتزأ، وإذا طرحنا على أنفسنا السؤال حول معنى الصوم، تقفز إلى خاطرنا عشرات الأجوبة: الصوم هو فترة ألم، فترة انقطاع، فترة إماتة، فترة إختبار... ونوشك أن ننسى الجزء الأهم والهدف الأساسيّ: الصوم هو الإنطلاق نحو الآخر لإعطاءه الحياة، هو العودة إلى الله، لأعلن له إني أحبّه فوق كل الخيور الأخرى، وما انقطاعي عما هو حسن إلاّ لأعلن بملء كياني للّه مصدري وغايتي، كم أنا أحبه، وكم هو أغلى من كل الخيور المادّية
صومنا يضحي مجتزأ إذا ما أهملنا ما هو محوري: الآخر، صورة الله ومِثاله، أخي الانسان المتألم، أكان ألمه ماديا أم معنوياً. فالصوم كما يقول أشعيا النبّي: :هو أن أكسر للجائع خبزي وأدخل الطريد المسكين بيتي، وأن أرى العريان فأكسوه، ولا أتوارى عن أهل بيتي". (أشعيا 58، 7). 
هي قيم نحتاجها اليوم في مجتمع يتألم، أكاد أقول يُنازع، تخنق أبناءَه الفرديةُ والمادّية، الوصوليّةُ والإستهلاك، يحيا كلٌ بمفرده كأنما عالمنا قد صار مجموعة جزر لا تتقاطع فيها الدروب ولا تتلاقى
الصوم الذي نحتاجه اليوم هو بمثابة "النزوح الى الاعماق لإلقاء الشبكة" (لوقا 5، 4)، البحث عن الانسان واعطاءه الخلاص. هو ما اعلنه اشعيا ودعاه "الصوم المقبول عند الرب"، وهو ما تمّمه يسوع المسيح معطياً ذاته فداء احباءه
مجتمعنا اليوم محتاج الى الخبز وصومنا هو مشاركة المحتاج خبزنا. والخبز ليس فقط كمأكل ماديّ، بل هو في الكتاب المقدّس رمزٌ للحياة نفسها، هو تقاسم المصير، واتاحة المجال للانسان أن ينطلق من جديد في حياة جديدة. عالمنا اليوم يبحث عن خبز يشبع فيه جوعه، شبيبتنا تبحث عن خبز يعطيها معنى لحياتها، تفتش عنه في أزقة الظلام وأودية المخدرات وعبثية اللذة. ان اكسر للجائع خبزي هو ان اعي دعوتي كمسيحي لأن اقف الى جانب من هو بحاجة الى الرفيق، ان أكسر خبزي هو ان أشبع جوع المتألم الى كلمة تعزية، والوحيد الى وقفة تعاضد، والمهمّش الى التفاتة اخوية واليائس الى معنى جديد لحياته. الصوم المقبول عند الرب هو "ان ادخل الطريد بيتي"، اي ان افسح للغريب مكانا في حياتي، فلا اجعل نفسي محور الوجود ومالكاً للحقيقة المطلقة، ان ادخل الطريد بيتي هو ان اقبل حقّ الآخر في ان يكون مختلفا، اقبله، وأحبّه وادخل في علاقة حوار معه، فأغتني منه وأغنيه
الصوم هو ان "ارى العريان فأكسوه"، وأي ّعُري اليوم أفضح من عري الانسانية الممتهنة كرامتها، والصوم الحقيقي هو نظرة جديدة الى اخي الانسان، نظرة جديدة بأعين جديدة، اعين المسيح، وبمنطق مختلف، منطق الناصري ّالذي مات ليعيد للإنسان كرامته. الصوم هو ان أنظر الى الانسان المُعَرّى، كما المسيح على الصليب، عرّاه مجتمع يرى في جسده وسيلةَ لذَّةٍ، وفي شخصه دربَ عبورٍ يدوسه ليصل الى ما هو أبعد. الصوم الحقيقي هو اعادة الثوب الى انسان عصرنا، أن انظر الى الانسان كقيمة مطلقة لا تحدّها لا وصوليّة ولا ماديّة ولا استهلاك، لأنه على صورة الله ومثاله قد خُلق، وثمنه دم المسيح المراق فوق الجلجلة
الصوم الذي نصبو اليه هو صوم المسيح الرافض قيمَ العالمِ الثلاث، قيماً لا تزال تستعبد مجتمعنا بعد مرور عشرين قرناً ونيّف
إن كان الخبز هو رمز الحياة، فالحجر هو رمز الموت والإنغلاق على الذات، كالصخرة الّتي وُضعت على قبر الفادي تسدّ كلّ بريق أمل. تجربة "قل لهذه الحجارة فتتحوّل خبزاً"، هو حصر وجودنا بالبعد المادي الجسدي، واستعباد جسدنا لسلطان الشهوة، فنضع رجاءنا في اكتفاء مادي، باحثين عن الغنى، او في شهوة جسدية علّها تشبع فراغ قلبٍ فلا تعطيه الا فراغاً اكبر. صومنا، على ضوء تجربة الشيطان الأولى، هو أن نعي أن لا أمكانيّة لاستخراج معنى لحياتنا، خبزاً لوجودنا، من قيم الماديّة الميتة، صومنا هو عودة الى الذات للبحث عن الخبز الحقّ، الخبز الّذي أعلنه المسيح المُجَرَّب والمنتصر، خبز كلمة الله التي تعطي الحياة الحقّة
وتجربة السلطة "أُعطيكَ هذا السُّلطانَ كُلَّهُ ومَجدَ هذِهِ الممالِكِ، لأنَّني أملكُهُ وأنا أُعطيهِ لِمَنْ أشاءُ. فإنْ سَجَدتَ لي يكونُ كُلُّهُ لكَ" (لو 4، 6- 7). هي تجربة السعي الى سلطة على حساب كرامة شعوب وتضحية شباب ودماء شهداء ودموع شيب. هي ان اضع خلاصي في تسلّطي على قريبي، ونجاحي في استعبادي لمن هو محتاج اليّ. الصوم هو دخول في علاقة حبّ مع كلّ إنسان، علاقة حبّ تتجلّى في قبولي للآخر كمساوٍ لي، له الحقوق نفسها. الصوم هو أعادة نظرٍ في نوعيّة علاقتي بالآخرين: في عائلتي، ومجتمعي، وعملي. كم من مرّات في حياتنا اليوميّة نسجد للشيطان سعياً الى ممالك العالم وغناه: صرنا نسميّ السرقةَ "شطارة" وسرقة صندوق ربّ عملي "ذكاء"، وتسلّطي على القريب "قوّة شخصيّة" وانتهاك حقوق الموظّف "حسن إدارة"، هي كلّها أفعال سجود معاصرةٍ لشياطين عصرنا، وما أحوجنا الى كلمة المسيح المنتصر على التجربة عينها: "لله وحده تسجد". 
وتجربة الله، "ارم بنفسك فهو يوصي ملائكته بك"، هي تجربة نواجهها كل يوم، تجربةُ أن اجعل نفسي الهاً بمعزلٍ عن الله خالقي والرب فاديّ، هي ان اسعى الى خلاصي بقوّتي، وبعقلي، منصّباً ذاتي كمفسّر للشرائع الإلهيّة والانسانية، واجعل نفسي اذكى وأفقه واعلم من كنيسة بُنيت على صخرة المسيح وتستمد منه تعليمها. هي تجربة قد أسقط فيها هي أظنّ نفسي قادراً على امتلاك الله بعقلي، وحين أقرّر عنه ما هو الصالح لي، أرمي بذاتي في تهالك وأطلب منه أرسال الملائكة. أرتكب الشّر وأثور على الله حين تقع عاقبة شرّي عليّ. أثور عليه وأُغيّبه عن حياتي إذا ما مرضتُ أو فقدت حبيباً أو قريباً، وأنسى أنّه عانى من أجلي الوحدة والألم والموت، حمل صليبي عنّي ليعلّمني كيف يتمّ تحويل الألم فرحاً والموتُ حياة. الصوم الأسمى هو بناء علاقة إيمان بالله، والإيمان ثقة بلا حدود، عالماً أن الله هو أبٌ، والأب يسعى عن خير ابنه
صومنا اليوم هو ان نعلن رفضنا لهذه القيم العرجاء القديمة المتجدّدة، وأن نسعى، في حياتنا اليومية، وفي أدق تفاصيل يوميّاتنا، الى عدم تكبيل واقعنا بالمادية، واستعباد ذواتنا للمال بالبخل والطمع والحسد وإبادة المنافس، هو ان نعلن رفضنا لشهوة السلطة واختزال الآخر والسعي الى ممالك الارض العابرة، فأبني في بيتي الحوار لا التسلّط، وفي عملي العدالة لا الاستغلال وفي وطني المواطنية لا الاستعداء
صومنا هو ان نخلق فينا حس الانتماء لكنيسة تجمع الشعوب من كل عرق ولون ولسان، يوحّدها ايمانها بالفادي الأوحد، والطاعة لارادة الرب في حياتنا خاصة حينما يبدو لنا ان الحل الأسهل هو في تتميم ارادتنا، والتغاضي عن تعليم الكنيسة، الأم والمعلمة
عندها تصبح للاماتة معنى، وللانقطاع هدف، حين اقف وقفة فحص ضمير وعودة الى الذات الداخلية، متذكّراً انّ لي وسائل تقديس الهيّة أستند إليها: اسرار الكنيسة، لاسيما سرّي التوبة والافخارستيا، والكتاب المقدس، كلمة الله تتّجه الي شخصياً وجماعيّا، من خلال التزامي برعيتي، بيتي الثاني. كم هو جيد ان تعود رعايانا بأغلبها الى ما نسميه أسبوع "رياضة روحية" تسبق أسبوع آلام الفادي، تعود فيها الرعيّة كلّها، كجماعة واحدة، نحو الله، من خلال الصلاة والتأمل وسماع كلمة الكتاب المقدّس يشرحها الكاهن فتقع في القلب كحبة قمح تنمو في الحياة اليومية وتصبح سنابل خلاصي لي ولمن هم حولي
عندها أقدر أن اقول، انا صائم، اشترك في سر آلام المسيح الفادي، فلا تبقى آلامي مقفلة على عدمية النوح والبكاء، بل يشعّ من احلك ظلماتها نور المسيح القائم، عندها ازرع رجاء القيامة، واعطي لألمي، ومرضي وضيقتي، وحتى لسياستي معنى آخر، فرغم حلول الظلام، واليأس المطلق، والخوف الكبير، أعلن رجاء القيامة، أعلن موت منطق قديم وولادة آخر جديد، اعلن رجاء قيامة يسوع المسيح وابتهج: فالموت لن ينتصر.