Contact

mail@gemini-theme.com
+ 001 0231 123 32

Follow

Info

All demo content is for sample purposes only, intended to represent a live site. Please use the RocketLauncher to install an equivalent of the demo, all images will be replaced with sample images.

اسبوع الآلام

 

samedisaint

سبت النور

 

الرسالة:

(رو 5: 1 – 11)

فلَمَّا بُرِّرْنا بِالإِيمان حَصَلْنا على السَّلامِ مع اللهِ بِرَبِّنا يسوعَ المَسيح،وبِه أيضًا بَلَغْنا بِالإِيمانِ إِلى هذِه النِّعمَةِ الَّتي فها نَحنُ قائِمون، وَنَفْتَخِرُ بِالَّرجاءِ لِمَجْدِ الله، لا بل نَفتَخِرُ بِشَدائِدِنا نَفْسِها لِعِلمِنا أَنَّ الشِّدَّةَ تَلِدُ الثَّباتَوالثَّباتَ يَلِدُ فَضيلةَ الاِختِبار وفَضيلةَ الاِختِبارِ تَلِدُالرَّجاء والرَّجاءَ لا يُخَيِّبُ صاحِبَه،َ لأَنَّ مَحَبَّةَ اللّه أُفيضَت في قُلوبِنا بِالرُّوحَ القُدُسِ الَّذي وُهِبَ لَنا.لَمَّا كُنَّا لاَ نَزالُ ضُعَفاء، ماتَ المسيحُ في الوَقْتِ المُحدَّدِ مِن أَجْلِ قَوْمٍ كافِرين،ولا يَكادُ يَموتُ أَحَدٌ مِن أَجْلِ امرِئٍ بارّ، ورُبَّما جَرُؤَ أَحَدٌ أَن يَموتَ مِن أَجْلِ امرِئٍ صالِح. أَمَّا اللهُ فقَد دَلَّ على مَحبتِّهِ لَنا بِأَنَّ المسيحَ قد ماتَ مِن أَجْلِنا إِذ كُنًَّا خاطِئينفما أَحرانا اليَوم، وقَد بُرِّرنا بِدَمِه، أَن نَنجُوَ بِه مِنَ الغَضَبفإِن صالَحَنا اللهُ بِمَوتِ َابِنه ونَحنُ أَعداؤُه، فما أَحرانا أَن نَنجُوَ بِحَياتِه ونَحنُ مُصالَحونلا بَل إِنَّنا نَفتَخِرُ بِالله، بِرَبِّنا يسوعَ المسيحِ الَّذي بِه نِلْنا الآنَ المُصالَحة

 

 

الانجيل:

(مت 27: 62 – 66)

وفي الغَدِ، أَي بعدَ يَومِ التَّهِيْئَةِ لِلسَّبْت، ذهبَ عُظماءُ الكَهَنَةِ و الفِرِّيسيُّونَ معاً إِلى بيلاطُسوقالوا له: يا سَيِّد، تَذَكَّرْنا أَنَّ ذاكَ المُضَلِّلَ قالَ إِذ كانَ حيّاً: سَأَقومُ بعدَ ثلاثَةِ أَيَّامفَمُرْ بِأَن يُحفَظَ القَبرُ إِلى اليَومِ الثَّالث، لِئَلاَّ يَأتيَ تَلاميذُه فيَسرِقوه ويقولوا لِلشَّعْب: قامَ مِن بَينِ الأَموات، فيَكونَ التَّضليلُ الآخِرُ أَسوَأَ مِن الأَوَّل.فقالَ لَهم بيلاطُس: ((عِندَكُم حَرَس، فاذهبوا واحفَظوه كما تَرَون  فَذَهبوا وحَفِظوا القَبر، فخَتموا الحَجَرَ وأَقاموا علَيه حَرَساً.



 

اسبوع الآلام

 

vendredisaint

الجمعة العظيمة

 

الرسالة:

(عب 12: 1221)

قَوّوا الأيديَ المُستَرخية، والرُكَبَ الواهِنة، واجعَلوا لأقدامِكُم سُبُلاً قَويمة، لئلاّ يَزيغَ العُضوُ الأعرَجُ عَن السَبيلْ، بَلْ بالحَريَّ أن يُشفى. أُطلُبوا السَّلامَ مَعَ جَميعِ النّاس، والقَداسَةَ التي لَنْ يُعايِنَ الرَبَّ أحَدٌ بِدونِها. تَيَقَّظوا لئلاّ يَتَخَلَّفَ أحَدٌ عَن نِعمَة الله، ولِئلاّ يَنبُتَ عِرقُ مَرارَةٍ يُزعِج فَيُفسَدُ بِهِ الكَثيرين، ولِئلاّ يَكونَ أحَدٌ فاجِراً أو مُدَنَّسًا مِثلَ عيسو، الذي باعَ بِكِرِّيَتَهُ بأكلَةٍ واحِدة، فَأنتُم تَعلَمونَ أنَّهُ بَعدَ ذَلِكَ، أرادَ أن يَرِثَ البَرَكَةَ فَرُذِل، لأنَّهُ لضم يَجِد سَبيلاً إلى تَغييرِ رأيِ أبيه، مَعَ أنَّهُ التَمَسَ ذَلِك بالدُّموع. فإنَّكُم لَم تَقتَرِبوا إلى جَبَلٍ مَلموس، ونارٍ مُتَّقِدة، وضَبابٍ وظَلامٍ وزَوبَعَة، وهُتافِ بوق، وصَوتِ كَلِماتٍ طَلَبَ الذينَ سَمِعوها ألاّ يُزادوا مِنها كَلِمَة؛ لأنَّهُم لَم يُطيقوا تَحَمُّلَ هذا الأمر: "ولَو أنَّ بَهيمَةً مَسَّتْ الجَبَلَ تُرجَم!". وكانَ المَنظَرُ رَهيبًا حتى إنَّ موسى قال: "إنّي خائفٌ ومُرتَعِد!".

 

 

الانجيل:

(يو 19 : 31-37)

فَلَمَّا أَخَذَ يَسُوعُ الْخَلَّ قَالَ: «قَدْ أُكْمِلَ». وَنَكَّسَ رَأْسَهُ وَأَسْلَمَ الرُّوحَثُمَّ إِذْ كَانَ اسْتِعْدَادٌ، فَلِكَيْ لاَ تَبْقَى الأَجْسَادُ عَلَى الصَّلِيبِ فِي السَّبْتِ، لأَنَّ يَوْمَ ذلِكَ السَّبْتِ كَانَ عَظِيمًا، سَأَلَ الْيَهُودُ بِيلاَطُسَ أَنْ تُكْسَرَ سِيقَانُهُمْ وَيُرْفَعُوافَأَتَى الْعَسْكَرُ وَكَسَرُوا سَاقَيِ الأَوَّلِ وَالآخَرِ الْمَصْلُوبِ مَعَهُوَأَمَّا يَسُوعُ فَلَمَّا جَاءُوا إِلَيْهِ لَمْ يَكْسِرُوا سَاقَيْهِ، لأَنَّهُمْ رَأَوْهُ قَدْ مَاتَلكِنَّ وَاحِدًا مِنَ الْعَسْكَرِ طَعَنَ جَنْبَهُ بِحَرْبَةٍ، وَلِلْوَقْتِ خَرَجَ دَمٌ وَمَاءٌوَالَّذِي عَايَنَ شَهِدَ، وَشَهَادَتُهُ حَقٌ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ لِتُؤْمِنُوا أَنْتُمْلأَنَّ هذَا كَانَ لِيَتِمَّ الْكِتَابُ الْقَائِلُ: «عَظْمٌ لاَ يُكْسَرُ مِنْهُ». وَأَيْضًا يَقُولُ كِتَابٌ آخَرُ: «سَيَنْظُرُونَ إِلَى الَّذِي طَعَنُوهُ



 

تأمل في الانجيل:

تبارك ذاك المساء الّذي بدّل حقيقة وجودنا التافه، تباركت تلك الساعة السادسة التي قلبت مقاييس حياتنا وأنظمتها الكئيبة، تبارك ذاك المصلوب على خشبة، متألّماً، مشوّهاً، نازفاً وجريح القلب بحربة خطيئتنا
فوق تلك الجلجلة انفتحت أعيننا، وعرفنا كم هو ثمين ذاك الآدم الخاطيء الشريد المطرود، لقد نال الفداء بدم الحمل الأزلّي المذبوح. كلمة الله التي خرجت من فم الله وحضنه منذ الأزل، كلمة الله الخالقة والمحيّية، هي اليوم الكلمة المذبوحة المتألّمة الفاديّة. لقد أخذ الله صورتنا ليجدّد صورته فينا. صورة المسيح المشوّه، المثخن جراحاً، المتألّم والمعذّب هي صورة إنساننا نحن، إنساننا الرازح تحت الخطيئة، أدمته أشواك المعصيّة، فقد جمال البنوّة الإلهيّة، وصار قلبه نازفاً، لاهثاّ وراء حبّ لا يحصل عليه، وراكضاً إثر خلاص لا يجده
لقد أخذ المسيح صورتنا هذه ليعطينا من جديد صورة أبناء الله، مات ليعطينا الحياة، فتح قلبه ليهبنا الحبّ كاملاً، طاهراً، مجانّياً وفادياً. لقد أخذ موتنا ليعطينا حياته
صرخ صرخة عظيمة وأسلم الرّوح: هو الصامت دوماً، أمام القضاء لم يفتح فاه، لم يصرخ تحت وقع السوط يجرح جسمه الطاهر، لم يصرح لحظة عرز المسامير في يديه الخالقتين، لم يصرخ عندما كُللت هامته بالشوك أو ضُربَ على رأسه بقصبة، لقد صرخ حين أسلم الروح
هي أعمق صرخة يطلقها وجودنا البشريّ حين لا يجد جواباً على السؤال الأكثر حلوكاً يطرحه كلّ يوم: "لماذا الموت وماذا بعد الموت؟" لقد حمل الرّب صرختنا هذه وقدّمها الى أبيه مع رفع يديه في أعظم تقدمة من تقادم المساء. لقد أعطانا المسيح الجواب بموته، لم يقدّم نظريّات تقنع ربّما إنّما لا تعطي القلب طمأنينته المنشودة، بل قدّم ذاته مائتاً ليقول لنا أن الموت ليس نهاية لكلِّ شيء، فما هو إلاّ البداية، هو الدخول في علاقة حبّ لا تنتهي ولا ترتوي، تستمر أبديّة متجدّدة في معاينة وجه الله والعيش معه في البيت الوالديّ
إنّما هي أيضاً صرخة من لا صوت لهم، من يمنعهم بيلاطس المعاصر وقياّفا العالم الحديث من إيصال صوتهم: إنّهم ملايين البشر يموتون كلّ يومٍ جوعاً وظلماً وبسبب الحروب، إنّها صرخة الأمّهات اللواتي ترَين إبنائهنّ يموتون بين إيديهنّ، إنّها صرخة المتألّمين من جور الإضطهاد والتمييز والتفرقة، إنّها صرخة المظلوم يأكل الأقوياء حقّه، إنّها صرخة الوالد لا يقدر أن يسدّ رمق أبنائه، إنّه صراخ الإنسان التي يمتهن البشر كرامته وجسده وقيمته، يُستعمل سلعة لإرواء شهوة، ويُرمى. هي كلّها صرخات احتضنتها صرخة المسيح ذاك المساء
صرخة المسيح هي صرخة التغيير، صرخة تدعو إنسانيّتنا الى العودة الى ذاتها، صرخة يوحنا يدعو الشعب للتوبة قد بلغت ملأها بصرخة يسوع يدعونا للعودة عبر موته الى صداقتنا مع الله. فلا نتركنّ موت المسيح عقيماً، لنجعل من جرح قلبه بوابة عبور الى الله أبينا، نعود مع يسوع الى تلك الصداقة، فيسوع قد مات لنضحي لله أبناء وأصدقاء
لقد علّمنا المسيح كيف نحوّل الألم من حالة يأس الى مصدر للخلاص. فالمسيح على الصليب "لا منظر له يُشتهى كما يقول إشعيا ، مزذرىً ومرذول من الناس، كرجل أوجاع يحوّلون وجههم عنه، من يراه يخفي وجهه لكي لا يراه. إنّها خطيئة الإنسان لا رغبة الله، فالله لا يريد الألم، وهو المحبّة المطلقة، هي خطيئة كلّ واحد منّا، خطيئة المعصية ورفض الله، خطيئة جعلتنا نتشوّه ونتألّم، جعلتنا نغرق في وحدتنا، نرغب شرّنا، نبتعد عن الله، وفي الإبتعاد عنه الألم والموت، دون الله نحيا في ظلمة وجود لا طعم له، يضحي كياننا جريحاً، نصير دون هدف ونفقد معنى الوجود. ولأن الخطيئة كانت ضدّ الله، وحده الله يقدر أن يسدّد ثمن عدالتها، الإنسان أخطأ والإنسان الإله سدّد. فوق الصليب دفع المسيح ثمن حريّتنا ومزّق صكّ عبوديّتنا، أعطانا الحريّة، ومع الحريّة أعطانا معنى جديداً للالم. ألم المسيح هو نفسه ألم المريض يعاني وحيداً في ظلام الليل، ويجد أيامه تقارب نهايتها. ألم المسيح هو نفسه ألم الأم تفقد وحيدها، ألم الأب يرى عائلته يخطفها ظلهم حرب وإرهاب، ألم المسيح هو الم الزوجة تفقد زوجها، ألم الأرملة واليتيم والشريد. ألم المسيح هو ألم الفقير لا يقدر أن يسد رمق أطفاله
ألم المسيح هو ألم الوالدين يرون أبنهم يضيع في متاهات حياة العبث والمخدّرات، وألم الفتاة تبيع جسدها لتحتمي من قسوة الحياة بقسوة من يشتريها أداة متعة. ألم المسيح هو ألم عالمنا اليوم تجرح جمالَه حروب كثيرة، يملأه الحقد والدم والموت
هو شرّ كلّه، شرّ لم تُعط له الكلمة الأخيرة، ولا النصر النهائي، فبالمسيح صار للألم معنى، كان شرّاً وشرّاّ يبقى، فالله لا يريد ألَمَنا، ولسنا مرضى لنفتّش عن الألم، إنّما نحن أبناء الرجاء، نؤمن بإله تألّم من أجلنا وانتصر على الألم، لم يبق معلّقاً على الصليب ولا ابتلعه الى الأبد ظلام القبر. لقد حوّل المسيح الألم من مصدر يأس وهلاك الى وسيلة قداسة وبطولة: لقد مات ليعطينا الحياة، حوّل الشرّ الى خير، أستخرج من الألم حياة، حوّل اليأس الى تضحية، حول آلة موت العبيد الى آداة تحرير للآخرين. فقط بالإيمان نفهم معنى ألمنا، وبالرجاء نقدر أن نغيّر اتّجاهه، وبالمحبّة نعطي الحياة للآخرين. فداء المسيح للبشريّة يعلّمني أن أصليّ للمرضى حين أكون مريضاً، وأقدّم آلامي للمعوزين. ألم يسوع يدعوني الى تحرير الآخرين من ألمهم، وإشراك المعوزين في خيراتي، وردّ الكرامة الى من أفقدهم المجتمع كرامتهم
الصليب هو فعل طاعة للآب، فالمسيح الّذي قال: "طعامي أن أعمل مشيئة أبي" قد أطاع حتى النهاية هذه المشيئة، "لتكن مشيئتك لا مشيئتي" صرخت بشريّته في بستان الزيتون ليعلّمنا أن نثق بالآب، ونعلم أنّه يحضر الأحسن والأفضل والأقدس لكلّ واحد منّا. يسوع المصلوب يعلّمنا أن نثق بالله حين نكون في قمة ألمنا. هذا ما فعله الربّ، وما فعله القدّيسون، وما يفعله اليوم إخوة لنا وأخوات، بدل ثورات الغضب يصلّون، وبدل اليأس يصبرون، ولأنّهم يحبّون، يعلمون أن لا يمكن للموت أن ينتصر
إن موت المسيح يعطي المعنى الحقيقيّ للموت، ولو لم يمت المسيح لما كان لنا أي رجاء. إلهنا إله يحبّ، ويتألّم لأنّه يحب، يشارك أحبّائه الألم، ويعلّمهم كيف يكون الموت بوابة عبور نحو الحياة. لقد وُضعت علي قبر المسيح صخرةٌ كبيرة، وكم من صخور تحجب بصيص الأمل عن قلوبنا؟ كم هي ثقيلة صخور مشاكلنا وأمراضنا؟ نرزح تحتها ونقول: "ها هي النهاية، وما من خلاص". لقد سدّت الصخرة باب القبر، وحاولت التهام الحيّ والمحيّي فكان كخميرة يزرع الحياة في عالم الموت. حاول القساة إخماد نور المسيح، كما يخمد منطق العالم كلّ بصيص رجاء في قلوبنا، يضعنا في قبرٍ مظلم، يقيّدنا برغبات وأهواء وأحقاد تشدّنا الى منطق الظلام، الى منطق القبر والموت، وتحجب عن تفكيرنا حقيقة الحياة ومعناها. هل يبقى عالمنا في ظلمة قبره؟ هل يبقى المظلوم مظلوماً، والجنين مجهضاً والعجوز لا قيمة له؟ هل يبقى الفقير عالّة والمتألّم ثقلاً علينا؟ هل نُبقي إخوة لنا وأخوات في ظلام قبر حياتهم، نسدّ قبرهم بصخرة حقدنا أو عدم مبالاتنا، ندفنهم في عدم اكتراثتنا لئلا يزعجنا صراخهم؟ موت المسيح دعوة لنا للتفتيش عن قيمة الحياة، وإعلان ثقافة الحبّ والتخلّي عن منطق العنف، فالعنف قتل المسيح البريء على الجلجلة ويقتل ملايين الأبرياء على جلجلات عالم اليوم، فهل نكمل السير وكأنّ شيئاً لم يكن؟ هل نترك المسيح يموت مجدّداً كلّ يوم؟ هل نغسل أيدينا في دماء أبرار هذا العالم وأبريائه؟ هل نبيع المسيح بثلاثين فضّة إهمالنا؟ هل نكون مثل من أعمى الحقد قلوبهم فصرخوا إرفعه"، إرفعه عنّا، فهو كثير التطلّب وصعب الإتّباع؟ هل نقتل المسيح مجدّداً إذا جاء اليوم الى حياتنا؟ 
وتبقى مريم، الأمّ المتالّمة والمعلّمة في الإيمان، ترى وحيدها معلّقاً فتقف الى جانب التلميذ، هي الى جانبنا تعلّمنا معنى التتلمذ وحمل الصليب، تعلّمنا أن عمق الإيمان يتجلّى من خلال الصبر والرجاء والإتّكال على الله، من خلال قبول صلبان حياتنا لتحويل الى وسيلة قداسة. مريم هي الأمّ الحزينة وهي أمّ الرجاء، معلّمة في الإيمان، حزنت، بكيت، تألّمت فقدانها وحيدٍ احبّته وكان ثمرة وعود الله لها ولشعبها، حزنت ولم تغضب، بكيت ولم تيأس، تألمث وما ثارت أو رفضت الله في حياتنا. هي المعلّمة تقود التلميذ الى الرّب، وتبقى قربه عندما يحمل صليبه، كنجمة الصباح تقود سفينتا الى ميناء ابنها حين تضرب بحر حياتنا عواصف اليأس والألم.

زمن الآلام

 

jeudisaint

خميس الاسرار

 

الرسالة:

( 1 كور 11: 23-32)

أنا تَسَلَّمتُ مِنَ الرّبِّ ما سَلَّمتُهُ إلَيكُم، وهوَ انَّ الرّبَّ يسوع، في اللّيلةِ الّتي أُسلِمَ فيها، أخَذَ خُبزاً، وشَكَرَ وَكَسَرَ وقال: "هذا هوَ جَسَدي الّذي يُكسَرُ مِن أجلِكُم. إصنَعوا هذا لِذِكري". كَذَلِكَ بَعدَ العَشاء، أخَذَ الكأسَ أيضًا وقال: "هذه الكأسُ هي العَهدُ الجَديدُ بِدَمي. فَكُلَّما شَرِبتُم مِنها، إصنَعوا هذا لِذِكري". فَكُلَّما أكَلتُم هذا الخُبِز، وشَرِبتُم هذه الكأس، تُبَشِّرونَ بِمَوتِ الرَبِّ حتى مَجيئِهِ. إذاً فَمَن يأكُلُ خُبزَ الرَبِّ ويَشرَبُ كأسَهُ، بِدون استِحقاق، يَكونُ مُذنِبًا إلى جَسَدِ الرَبِّ وَدَمِهِ. فَلْيَمتَحِن كُلُّ إنسانٍ نَفسَهُ، ثُمَّ فَليأكُل مِن هذا الخُبز ويَشرَبْ مِن هذه الكأس. فَمَن ياكُلُ ويَشرَب، وهوَ لا يُمَيِّزُ جَسَدَ الرَبّ، يأكُلُ ويَشرَبُ دَيونَةً لِنَفسِهِ. ولِهذا السَبَبِ كَثُرَ بَينَكُم المَرضى والضُعَفاء، ورَقَدَ الكَثيرون. فَلَو كُنّا نُحاسِبُ أنفُسَنا لَما كُنّا نُدان. ولَكِنَّ الرَبَّ يَدينُنا ليُؤَدِبَنا، حتى لا نُدانَ مَعَ العالَم.

 

 

الانجيل:

(لو 22: 1-23)

كانَ عيدُ الفَطير الذي هوَ عيدُ الفُصحِ يَقتَرِبْ. وكانَ الأحبارُ والكَتَبَةُ يَبحَثونَ كيفَ يَقضونَ على يسوع، لأنَّهُم كانوا يَخافونَ مِنَ الشَعبْ. ودَخَلَ الشَيطانُ في يَهوذا المُلَقَّبِ بالإسخَريوطيّ، وهوَ مِن عِدادِ الإثنَي عَشَرْ، فَمَضى وفاوَضَ الأحبارَ وقادَةَ حَرَسِ الهَيكَلِ كَيفَ يُسلِمُ إلَيهِم يسوع. فَفَرِحوا، واتَّفَقوا أن يُعطوهُ فِضّة. فَقَبِلَ، ثُمَّ راحَ يَتَلَمَّسُ فُرصَةً مؤاتية، لِيُسلِمَهُ إلَيهِم بَعيداً عَن الجَمْع. وحَلَّ يَومُ الفَطير، الذي يَجِبُ أن يُذبَحَ حَمَلُ الفِصحِ فيهِ، فأرسَلَ يسوعُ بُطرُسَ ويوحنّا قائلاً: "إذهبا فأعِدّا لَنا عَشاءَ الفِصْحِ لِنأكُلَهُ". فَقالا لَهُ: "أينَ تُريدُ أن نُعِدَّهُ؟ ". فَقالَ لَهُما: "ما إن تَدخُلا المَدينَةَ حتّى يَلقاكُما رَجُلٌ يَحمِلُ جَرَّةَ ماء، فاتْبَعاهُ إلى البَيتِ الذي يَدخُلُهُ. وقولا لِرَبِّ البَيتْ: المُعَلِّمُ يَقولُ لَكَ: أينَ القاعَةُ الّتي آكُلُ فيها عَشاءَ الفِصحِ مَعَ تَلاميذي؟ وهوَ يُريكُما عِليَّةً كَبيرَةً مَفروشة، فأعِدّاهُ هُناك". فَذَهبا ووَجَدا كَما قالَ لَهُما، وأعَدّا عَشاءَ الفِصحْ. ولمّا حانَتْ السّاعة، اتَّكأَ يَسوعُ ومَعَهُ الرُّسُل، فَقالَ لَهُم: "شَهْوَةً اشْتَهَيتُ أن آكُلَه هذا الفِصْحَ مَعَكُمْ قَبلَ آلامي! فَإنّي أقولُ لَكُمْ: لَنْ آكُلَهُ بَعْدَ اليَومِ إلى أنْ يَتِمَّ في مَلَكوتِ الله". ثُمَّ أخَذَ كأسًا، وشَكَرَ، وقال: "خُذوا هذهِ الكأسَ واقْتَسِموها بَيْنَكُم، فإنّي أقولُ لَكُم: لَنْ أشرَبَ عَصيرَ الكَرمة، مُنذُ الآن، إلى أنْ يأتي مَلَكوتُ الله". ثُمَّ أخَذََ خُبزاً وشَكَرَ، وكَسَرَ، وناوَلَهُم قائلاً: "هذا هوَ جَسَدي الذي يُبذَلُ مِن أجلِكُم. إصنَعوا هذا لِذِكري". وكَذَلِكَ أخَذَ الكأسَ بَعدَ العَشاءِ وقالَ: "هذه الكأسُ هيَ العَهدُ الجَديدُ بِدَمي، الذي يُهرَقُ مِن أجلِكُم. ولَكِن، ها هيَ يَدُ الذي يُسلِمُني مَعي على المائدة. فابْنُ الإنسانِ ماضٍ كَما هوَ مُقَرَّر؛ إنَّما الوَيلُ لِذَلِكَ الإنسانِ الذي يُسلِمُهُ!". فابتَدأَ الرُسُلُ يَتَساءَلونَ فيما بَينَهُم: "مَن تُرى مِنهُم هوَ المُزمِعُ أن يَفعَلَ هذا؟ ".



 

تأمل في الانجيل:

مقدمة
"كما سبق وقلت في رسالتي Ecclesia de Eucharistia (الكنيسة تحيا من الإفخارستيا). مهم جداً أن لا يهمل إيُ بعدٍ من إبعاد هذا السر. ففي الواقع هناك النزعة دوماً في الإنسان لأن يُحَجِّم الإفخارستيا ويجعلها على قياسه الشخصي، بينما في الحقيقة عليه هو أن ينفتح على جميع أبعا د السرّ." تقدّم لنا ليتورجيّة خميس الأسرار نصّ العشاء الأخير كما رواه لوقا، لنتأمل بسّر الإفخارستيا في معناه البيبلي، من حيث مصدر هذا السر ومن حيث معناه اللاهوتي في حياتنا المسيحية

نص العشاء السري بحسب القديس لوقا
22 1وقَرُبَ عيدُ الفَطيرِ الَّذي يُقالُ له الفِصْح. 2وكانَ عُظَماءُ الكَهَنَةِ والكَتَبَةُ يَبحَثونَ كَيفَ يَقتُلونَ يَسوع، لَأَنَّهم كانوا يَخافونَ الشَّعب. 3فدَخَلَ الشَّيطانُ في يَهوذا المَعْروفِ بِالإِسْخَرْيوطِيّ، وهو مِن جُملَةِ الاِثَنيْ عَشَر. 4فمَضى وفاوَضَ عُظَماءَ الكَهَنَةِ وقادَةَ الحَرَس لِيَرى كَيفَ يُسلِمُه إِلَيهم. 5ففَرِحوا وَاتَّفَقوا أَن يُعطُوهُ شَيئاً مِنَ الفِضَّة. 6فَرَضِيَ وأَخَذَ يَتَرَقَّبُ فُرصَةً لِيُسلِمَه إلَيهِم بِمَعزِلٍ عنِ الجَمْع

عشاء الفصح وتأسيس الإفخارستيّا
7وجاءَ يَومُ الفَطير، وفيه يَجِبُ ذَبْحُ حَمَلِ الفِصْح. 8فأَرسَلَ بُطُرسَ ويوحَنَّا وقالَ لَهما: (( اِذهبَا فأَعِدَّا لَنا الفِصْحَ لِنَأكُلَه)). 9فقالا له: (( أَينَ تُريدُ أَن نُعِدَّه؟ )) 10فقالَ لَهما: (( إذا دَخَلتُما المَدينة يَلقاكُما رَجُلٌ يَحمِلُ جَرَّةَ ماء، فَاتبَعاهُ إِلى البَيتِ الَّذي يَدخُلُه، 11وقولا لِرَبِّ البَيت: يقولُ المُعلِّم: أَينَ الغُرفَةُ الَّتي آكُلُ فيها الفِصْحَ مع تَلاميذي ؟ 12فيُريكُما عُلِّيَّةً كَبيرةً مَفروشَة، فَأَعِدَّاهُ هُناكَ )). 13فذَهَبا فوَجَدا كَما قالَ لَهما، فَأَعَدَّا الفِصْح. 14فلمَّا أَتَتِ السَّاعة جلَسَ هو وَالرُّسُلُ لِلطَّعام. 15فقالَ لَهم: (( اِشتَهَيتُ شَهْوَةً شديدةً أَن آكُلَ هذا الفِصْحَ مَعَكم قَبلَ أَن أَتأَلَّم. 16فإِنِّي أَقولُ لَكم: لا آكُلُه بعدَ اليَومِ حتَّى يَتِمَّ في مَلَكوتِ الله)). 17ثُمَّ تَناوَلَ كأساً وشَكَرَ وقال: (( خُذوا هذا واقتَسِموهُ بَينكم، 18فإِنِّي أَقولُ لَكم: لن أَشرَبَ بَعدَ اليَومِ مِن عَصيرِ الكَرمَةِ حتَّى يَأتيَ مَلَكوتُ الله )). 19ثُمَّ أَخَذَ خُبْزاً وشَكَرَ وكَسَرَه وناوَلَهُم إِيَّاهُ وقال: ((هذا هو جَسدي يُبذَلُ مِن أَجلِكُم. إِصنَعوا هذا لِذِكْري)). 20وصنَعَ مِثلَ ذلكَ على الكأسِ بَعدَ العَشاءِ فقال: (( هذِه الكَأسُ هي العَهدُ الجَديدُ بِدمي الَّذي يُراقُ مِن أَجْلِكم)). 

لا يمكننا ولا يحق لنا أن نعزل هذا النص الكتابي عن بيئته الدينية والثقافية، وإعتباره نصّا خاصاً بالمسيحيين، فالقديس لوقا، حين كتب هذا النص المقدّس، لم يكتبه ليؤلّف كتاباً مقدّساً، إنما كتبه لجماعة كنيسته المحلية ليعلّمها ويقويها في فترة نزاعات داخلية وإضطهادات خارجية، ويجيب على تساءلاتها حول الإيمان بالرب يسوع

يبدأ لوقا إنجيله في هيكل أورشليم (1،5) ويختمه في الهيكل: "وكانوا يُلازِمونَ الهَيكَلَ يُبارِكونَ الله" (24، 53) وهو تشديد على استمراريّة عهود الله لشعبه من خلال ابنه الّذي جاء يكمل مسيرة التاريخ الخلاصيّ ويتمّم العهد بموته وقيامته. يعلن لوقا أن وعود الله قد تححقت قدوم المسيح . لذلك ينطلق لوقا من التقليد اليهودي لعيد الفصح ليعلن، بطريقة قد لا نراها أو نفهمها نحن اليوم بعد الفي سنة، إذا لم نقرأ جيداً النص بعين العهد القديم والعهد الجديد معاً. إذا لم نقرأ نص العهد الجديد ضمن واقعه وبيئته نكون مخطئين. لا يحق للمسيحي أن يقول: "ليلة العشاء السرّي إخترع المسيح ديانة جديدة" المسيح لم يكن يريد تأسيس ديانة جديدة، بل هو إكتمال وعود الله في العهد القديم

لنفهم النص أولاً: 

الفصحمعنى الكلمة 

اسم عبري معناه (( عبور )) (خر 12: 13 و 23 و 27). 
(1)
أول الأعياد السنوية الثلاثة التي كان مفروضاً فيها على جميع الرجال الظهور أمام الرب في بيت العبادة (تث 16: 1- 2 و 5- 6). ويعرف أيضاً بعيد الفطير (خر 23: 15 وتث 16: 16) أنشئ في مصر تذكاراً للحدث الذي بلغ من خلاله خلاص بني إسرائيل ذروته (خر 12: 1 و 2 و 14 و 42 و 23: 15 وتث 16: 1 و 3) حين ضرب الرب ليلاً كل بكر في مصر وعبر عن بيوت بني إسرائيل المرشوشة بالدم، والمقيمون فيها واقفون وعصيهم في أيديهم في انتظار الخلاص الموعود. فصارت تلك الليلة مقدّسة تحفظ للرب وحده
كان العيد يبدأ مساء الرابع عشر من شهر ابيب (المعروف بعد السبي بشهر نيسان) أي بداءة الخامس عشر منه (لا 23: 5 إلخ). فكان يذبح خروف أو جدي بين العشائين نحو غروب الشمس (خر 12: 6 وتث 16: 6) ويشوى بكامله دون تحطيم عظمه، ثم يؤكل مع فطير وأعشاب مرة (خر 12: 8). كان الدم المسفوك يشير إلى التكفير. أما الأعشاب المرّة فكانت ترمز إلى مرارة العبودية في مصر، والفطير إلى الطهارة (قابل لا 2: 11 و1 كو 5: 7 و8) ـ إشارة إلى أن المشتركين في الفصح ينبذون كل خبث وشر ويكونون في شركة مقدسة مع الرب. وكان جميع أفراد البيت يشتركون في أكل الفصح. وإذا كانت الأسرة صغيرة كانت تشترك معها أسر أخرى لكي يؤكل الخروف بكامله (خر 12: 4). وكان رأس العائلة أو المتقدم بينهم يتلو على الحضور قصة الخلاص والعبور من مصر الى أرض الميعاد
كان المشتركون في أكل الفصح في أول عهده يقفون بينما في الأزمنة الأخيرة صاروا يتكئون وقد أضافوا إلى فريضة الفصح فيما بعد الأمور التالية: أربع كؤوس خمر يباركها ربّ العائلة ويمرّرها الى الحاضرين ممزوجة بالماء، ويرنّمون المزمورين 113 و118 (قابل اش 309ومز 42: 4)، ويحضّرون وعاء من الأثمار ممزوجة بالخل لتذكيرهم بالطين الذي جبله آباءهم في عبودية مصر.

عشاء الفصح
يتألف من: الحمل الفصحي (لا ذكر له في هذا النص)، الأعشاب المرّّة، الخبز الفطير، أربعة كؤوس من الخمر. أربعة كؤوس من الخمر، وقد قلنا أنّها إضافة متأخّرة لعشاء الفصح، تحمل رمزية ترتبط بنصّ خروج 6، 6ـ7
أَنا الرَّبُّ، لَأخرِجَنَّكم مِن تحتِ سُخْراتِ المِصرِيِّين 
وأُنقِذُكم مِن عُبودِيَّتِهم 
وأَفديكم بذِراعٍ مَبْسوطة وأَحْكامٍ عَظيمة 
. 7
وأَتَّخِذُكم لي شَعباً وأَكونُ لَكم إلهاً وتَعلَمونَ أَنِّي أَنا الرَّبُّ إِلهُكم الَّذي يُخرِجُكم مِن تَحتِ سُخْراتِ المِصرِيَّين. 8 وسأُدخِلُكمُ الأَرضَ الَّتي رَفَعتُ يَدي مُقسِماً أَن أُعطِيَها لإِبْراهيمَ وإِسحقَ ويَعْقوب فأُعطِيَها لَكم ميراثاً أَنا الرَّبّ 

الكأس الأولى
15فقالَ لَهم: (( اِشتَهَيتُ شَهْوَةً شديدةً أَن آكُلَ هذا الفِصْحَ مَعَكم قَبلَ أَن أَتأَلَّم. 16فإِنِّي أَقولُ لَكم: لا آكُلُه بعدَ اليَومِ حتَّى يَتِمَّ في مَلَكوتِ الله )). 17ثُمَّ تَناوَلَ كأساً وشَكَرَ وقال: (( خُذوا هذا واقتَسِموهُ بَينكم، 18فإِنِّي أَقولُ لَكم: لن أَشرَبَ بَعدَ اليَومِ مِن عَصيرِ الكَرمَةِ حتَّى يَأتيَ مَلَكوتُ الله
هي كأس التقديس أو البركة، يعلن فيها رب العائلة: مبارك أنت يا الله صانع السماوات والأرض، هي كأس الخلاص من سخرة المصريين، لهذا في الكأس الأولى نجد الرب يسوع يعلن: "اِشتَهَيتُ شَهْوَةً شديدةً" فهنا يبدأ بتتميم ما أرسله الله لصنعه. هو الخروج من ملك العالم والدخول في ملكوت جديد يتحقق بقيامة المسيح من الموت
هي بشرى خلاص قول المسيح: : "لن أَشرَبَ بَعدَ اليَومِ مِن عَصيرِ الكَرمَةِ حتَّى يَأتيَ مَلَكوتُ الله" فهو بالكأس الأولى يحرر تلاميذه، كل واحد منّا، من عبودية مصر، عبودية العمل المادي وترك الروح، عبودية الجسد والمادة، عبودية العالم الإستهلاكي، عبودية النظرة الوصولية كل واحد للآخر، واستعباد الآخر كما استعبد مصر أخاه يهوذا
خُذوا هذا واقتَسِموهُ بَينكم: هبة الحرية هذه ليست هبة شخصية أو حصرية، المسيح يعلن هنا ما سيقوله لتلاميذه بعد القيامة: إعلان الإنجيل، بشرى للمسبيين وللمستعبدين بالتحرر وإشراك الإنسانيّة كلّها في التحرير الّذي حقّقة المسيح، موسى الجديد

كسر الخبز
بعد الكأس الأولى يبارك الرب الذي أعطى الخبز، ثم يؤكل مع الحمل الفصحي، تتشاركه الجماعة كلها. رمزية كسر الخبز تعني ليس فقط موت الحمل، الحمل الغائب في هذا النصّ لأن الحمل الحقيقي هو يسوع الّذي يقدّم ذاته، بل يشمل أيضاً حقيقة اشتراك كلّ فرد في حياة الجماعة وفي خلاصها، فالشعب خلّص كجماعة متضامنة، تشترك في الحياة نفسها وفي الخلاص الواحد وفي الإيمان الّذي يوحّدها. هو ليس خلاصاً فردياً، كل فرد من الجماعة يشترك في خلاص الآخر 
يفتح الباب للفقراء فالرب فتح باب الخلاص للبشرية مجّاناً. من هنا نفهم معنى الإفخارستيا كسرّ يصنع الجماعة ويوّحدها، ويُحتفل به في الجماعة بأسرها
لا يأتي لوقا على ذكر الحمل المذبوح
ـالمسيح فصحنا قد ذُبح: هو المسيح بذاته يصبح حمل الفصح الحقيقيّ، يذبح فداء عن البشريّة كلّها
ـالمسيح يُبطل ويقفل دوّامة العنف : بغياب الحمل هنا يعود بنا الرّب الى حالة الإنسان ما قبل خطيئة آدم وحوّاء، حين كان الإنسان في حالة سلام مع الخلائق كلّها، ولم يكن سفك الدماء وارداً. بموت المسيح، عاد ممكناً لنا أن نعود الى حالة السلام مع الله، مع الآخرين ومع ذاتنا، دون سفك دماء ودون حاجة الى التكفير العنيف

الكأس الثانية
20وصنَعَ مِثلَ ذلكَ على الكأسِ بَعدَ العَشاءِ فقال: (( هذِه الكَأسُ هي العَهدُ الجَديدُ بِدمي الَّذي يُراقُ مِن أَجْلِكم 

في الكأس الثانية في عشاء الفصح يعيد اليهودي اتمام (وليس فقط يتذكر) حدث تحريره من العبودية. وقد ربط الأدب الرّبينيّ المعاصر للمسيح الكأس الثانية بقول الرّب: " وأُنقِذُكم مِن عُبودِيَّتِهم" قد نعتقد أن الكأس الأولى والثانية تحملان المعنى نفسه، فالكأس الأولى ترتبط بقول الله لشعبه " لَأخرِجَنَّكم مِن تحتِ سُخْراتِ المِصرِيِّين ". في الكأس الأولى يتحرر الإنسان من عبودية الإنسان والمادة، إنما يبقى عبداً في حالته الكيانية. وحده الإشتراك في طبيعة الله تحرر الإنسان، لذلك إسرائيل كان يُدعى إبن الله فقط حين كان حرّا من عبادة الآلهة الأخرى
في كأسه الثانية يشرك المسيح الإله الكامل والإنسان الكامل إنسانيتنا في ألوهته من خلال إعطاءنا جسده مأكلاً، إي إنه يعطينا إمكانية الإتحاد جسدياً بشخصه الإلهي، وهي حالة تحرير تفوق الأولى، فهي ليست فقط حالة تحرير إجتماعي أو مادي إنما تغيير كياني: ننتقل من حالة العبيد بالطبيعة والولادة بسبب خطيئة آدم، الى حالة أبناء الله. لذلك كانت الكأس الثانية بعد كسر الخبز، أي بعد اشراكنا في حياته الإلهيّة من خلال إعطائنا جسده مأكلاً

الحمل المذبوح والكأس الثانية لا ينفصلاندم الحمل يحقق فداءهم من الموت (بالرش على عضائد الأبواب) ولحم الحمل يحقق وحدة جماعة إسرائيل، تماماً كما أن دم المسيح هو عربون فداءنا وجسده هو وحدتنا جميعنا في جسده السري الذي هو الكنيسة. لذلك كانت العادة في الكنيسة كلها في الألف الأول (لغاية المجمع التريدنتيني)، ولا تزال حتى اليوم في كنائسنا الشرقية، بالمناولة الإفخارستية تحت الشكلين

التهليل والكأسان الأخيرتان
لوقا لا يذكر الكاسين الأخيرتين الواجب شربهما في العشاء الفصحي ولا حتى الأناشيد (التهليل) الختامية، فهل هو جهل من الإنجيلي بعادات اليهود؟ 
للوهلة الأولى قد نجيب بالإيجاب، إنما لوقا لم يكن مهتمّا بكتابة تفاصيل تاريخية إنما لاهوتية
التهليل غير موجود لأن عشاء الفصح لم ينته، ففصح المسيح لا ينتهي قبل موته على خشبة الصليب، ولوقا كان يعلم هذا، لذلك ترك الكأسين الأخيرتين الى ما بعد العشاء

الكأس الثالثة
بها يتذكر اليهود القسم الثالث من وعد الرب: وأَفديكم بذِراعٍ مَبْسوطة وأَحْكامٍ عَظيمة
الذراع المبسوطة في سفر الخروج هي الضربة الأخيرة: موت الإبن البكر.(6،1 فقالَ الرَّبُّ لِموسى: (( الآنَ تَرى ما أَصنَعُ بِفِرعَون. فإِنَّ يَداً قَوِيَّةً تُجْبِرُه على إِطْلاقِهم ويَداً قَوِيَّةً تُجبِرُه على طَردِهم )) متكلما عن موت الأبكار.) 
من بعد هذا نجد أن الشعب غير مهتم (6،9 فكَلَّمَ موسى بذلِكَ بَني إِسْرائيل، فلَم يَسْمَعوا لِموسى لِضيقِ أَنفاسِهِم والعُبودِيَّةِ القاسِية) تماما كما أن الرسل لم يهتموا بعد اشتراكهم بالحرية بل صاروا يتجادلون حول من هو الأكبر
الأحكام العظيمة هي عبور الشعب العبراني بحر القصب المشقوق. رغم هذا لم يثق الشعب بقدرة الرب في إعطاءه الخلاص فصنع العجل الذهبي (خر 38)، والتلاميذ لم يثقوا بمخطط الرب فلجأوا الى قوة السلاح في بستان الزيتون: عودة الى العنف الذي أراد المسيح إبطاله بتقديمه جسده ودمه. رغم هذا غفر الله للشعب بعد صلاة موسى على الجبل، والرب نفسه غفر عنف التلاميذ في بستان الزيتون
لقد شرب المسيح الكأس الثالثة في بستان الزيتون، فإن كانت الكأس الثالثة ترتبط بموت أبكار المصريّين، فالمسيح الّذي يزيل العنف، أخذ دور بكر المصريّين. هذه الكأس الثالثة قدّمها الآب له في بستان الزيتون، فصرخ المسيح صرخة إنسانيّتنا:يَا أَبَتَاهُ ، إِنْ شِئْتَ أَنْ تُجِيزَ عَنِّي هَذِهِ الْكَأْسَ. وَلَكِنْ لِتَكُنْ لاَ إِرَادَتِي بَلْ إِرَادَتُكَ)). 43وَظَهَرَ لَهُ مَلاَكٌ مِنَ السَّمَاءِ يُقَوِّيهِ. يد الله القوية نزلت هذه المرة على بكره هو لا على بكر فرعون، الله الآب شارك فرعون ألمه، قدّم الآب ابنه الوحيد لتنتهي دوّامة العنف
الملاك الذي يعزيه هو الملاك الذي وعده الرب لشعبه فسار أمامه في الصحراء خر 23،30 "ها أَنا مُرسِلٌ أَمامَكَ مَلاكاً لِيَحفَظَكَ في الطَّريق ويأَتِيَ بِكَ إِلى المَكانِ الَّذي أَعدَدتُه
الأن هو الله الآب يقفل دورة العنف بأخذه نتيجة العنف عليه بموت وحيده. في سفر الخروج نجد حدث موت الإبن البكر منذ بداية عبودية المصريين (أمر فرعون بقتل أبكار العبرانيين) حتى حدث تحريرهم (موت أبكار المصريين)، سلسلة عنف لا تستهدف الإبن بحد ذاته، بل تغلق على الأب كل أمل بالإستمرارية. سلسلة العنف هذه قد أقفلها الآب هنا، إذ شارك العبرانيين والمصريين ألم فقدان البكر، ليخرج الإنسان من دوّامة قتل استمراريّة أخيه الإنسان. على الصليب يرى اللهُ الآبُ ابنَه يتألم ويموت، ليعطي للإنسان إمكانية الإستمرار، عمل يستمر في الإفخارستيا
لوقا قرأ وتمعّن في سفر الخروج وعرف كيف يرويه في عشاء الفصح ليلة جمعة الآلام

الكأس الرابعة
هي كأس الشكر على الوعد الرابع، ربطها التقليد اليهوديّ بالقسم الأخير من الآية: "وأَتَّخِذُكم لي شَعباً وأَكونُ لَكم إلهاً
هذه الكأس شربها المسيح على الصليب، "وَالْجُنْدُ أَيْضاً اسْتَهْزَأُوا بِهِ وَهُمْ يَأْتُونَ وَيُقَدِّمُونَ لَهُ خَلاًّ" لهذا بحسب يوحنا يقول المسيح: لقد تم "فلَمَّا تَناوَلَ يسوعُ الخَلَّ قال: (( تَمَّ كُلُّ شَيء )) ثُمَّ حَنى رأسَهُ وأَسلَمَ الرُّوح". (يو 19،30
المسيح ببسطه يديه على الصليب أسّس الإفخارستيا، لذلك لا يمكننا القول أن عشاء الفصح في العليّة كان رمزا مسبقا لموت المسيح، فتأسيس الإفخارستيّا بدأ ليل الخميس في علّية صهيون، ببركة الكأسين وكسر الخبز، وأكمل في بستان الزيتون حين قبل الإبن من الآب كأس موت البكر فقبل تتميم الإرادة الإلهيّة، وتمّ على الصليب في ذبيحة الحبّ الأسمى، ذبيحة إعطاء الله ذاته للإنسان. هي صلاة المسيح في يوحنَا ليكونوا واحداً حققها بصلاته الأخيرة على الصليب، كأني به يردّد المزمور 141/2 لِتَكُنْ صَلاتي بَخورًا أَمامَكَ ورَفعُ كَفَّيَّ تَقدِمةَ مَساء ففي ذلك المساء قدّم المسيح صلاة البشرية كلها لله الآب حين سلّم ذاته، ومعه مصير البشرية وخلاصها، بقوله: "بين يديك أستودع روحي". 

التهليل
إن عشاء الفصح في التقليد اليهوديّ كان يُختتم بالتهليل، أي بإنشاد المزامير، وذبيحة الفصح الأسمي التي تمّت على الصليب قد اختتمت بأروع نشيد تمجيد لله، نشيد تقديم المسيح ذاته والبشريّة بأسرها لأبيه قائلاً بين "يديك أستودع روحي". 
إنتقال من العهد القديم الى الجديد بالخادم الذي يحمل جرّة الى السيد
أعود الى الى ما قلنا بداية، أن لوقا لم يكن يسعى الى تأسيس ديانة جديدة وكتابة كتاب مقدّس، إنما كان مقتنعاً أن ما حدث مع المسيح هو تتميم لوعود الله الخلاصية، وبالتالي فإن الكتب قد تمّت بعمل المسيح الخلاصيّ
إذا عدنا الى ما أورده لوقا حول إرشادات المسيح لبطرس ويوحنا للتحضير لعشاء الفصح ماذا نجد؟ 
10
فقالَ لَهما: ((إذا دَخَلتُما المَدينة يَلقاكُما رَجُلٌ يَحمِلُ جَرَّةَ ماء، فَاتبَعاهُ إِلى البَيتِ الَّذي يَدخُلُه، 11وقولا لِرَبِّ البَيت: يقولُ المُعلِّم: أَينَ الغُرفَةُ الَّتي آكُلُ فيها الفِصْحَ مع تَلاميذي ؟ 12فيُريكُما عُلِّيَّةً كَبيرةً مَفروشَة، فَأَعِدَّاهُ هُناكَ)). 
لا يمكننا أن نتجاهل هذه الآية إذا أردنا أن نفهم هذا النص بعمقه ومن جميع نواحيه
هناك شرّاح معاصرون يريدون أن يرون أن العشاء الفصحي قد تّم في الإطار الأسّيني، أي ما ندعوه نحن جماعة قمران، لأن الرجل لا يحمل جرة بل هو عمل للنساء. في قمران لم يكن هناك وجود للنساء وبالتالي فإن المسيح كان أسّينيّاً
هذا الشرح قد يقتل رسالة لوقا الحقيقية، فلوقا ذو الثقافة اليونانية، قد إستعمل الرمزية كنوع أدبي ليفهم القارىء النبيه عمق النص
ـإنتقال من العهد القديم الى العهد الجديدالعهد القديم هو خادم يحمل رسالة الرب الى شعبه، الخادم الذي يحمل جرّة الماء هو رمز للعهد القديم الذي، بحدّ ذاته، لا يعطي الخلاص إنما يرشد الى الخلاص، الى سيد البيت
الجرة، رمز للضعف وقابلة للتحطم، تماماً كالعهد بين الله وشعبه المعرّض للتحطم من ناحية الشعب. الجرة هي رمز للطبيعة البشرية وتعلّقها التام بخالقها (أش 64،7 والآنَ يا رَبُّ أَنتَ أَبونا نَحنُ الطِّينُ وأَنتَ جابِلُنا ونَحنُ جَميعاً عَمَلُ يَدِكَ.)، فالطبيعة البشرية تشبّه بالجرة الخزفية. هكذا تضحي 
الجرة على كتف الخادم رمزاً للإفخارستيا التي إنتقلت بواسطة العهد القديم، خادم العهد الجديد، الى حياة الكنيسة، وأوصلت في الوقت نفسه الكنيسة، ممثلة برأسها بطرس، وقلبها يوحنا، أي بالسلطة الكنسية وبالمؤمنين المعمّدين، الى لقاء رب البيت
الجرّة هي أيضاً رمز لمحدودية حياة الإنسان المائت بعيداّ عن الله (جامعة 12،6 6 قَبلَ أَن يَنقَطعِ حَبلُ الفِضَّة ويَنكَسِرَ كوبُ الَّذهَب وتَتَحَطَّمَ الجرَةُ عِندَ العَين وتَنقَصِفَ البَكَرَة على البِئْر7 فيَعودَ التُّرابُ إلى الأَرضِ حَيثُ كان وَيعودَ النَّفَسُ إلى اللهِ الَّذي وَهَبَه). 
وهي رمز للإختيار الإلهي، شاول يعلنه الرب إناء خزف مختار، يوصل رسالته للشعب، رغم ضعف بولس، صار إناء خزف مختار يحتوي تعليم السيّد، ووحدها النعمة الإلهيّة تمنع انحطامه
وهي رمز للعهد بين الله وشعبه (إرميا 19: 1. 10: هكذا قالَ الرَّبّ: إِذْهَبْ وآشتَرِ إِبْريقَ خَزَّاف، ومَعَك مِن شُيوخِ الشَّعبِ ومِن شُيوخِ الكَهَنَة،... 10 ثُمَّ تَكسِرُ الإِبْريقَ على أَعيُنِ الرِّجالِ الذَّاهِبينَ مَعَكَ، 11 وتَقولُ لَهم: هكذا قالَ رَبُّ القُوَّات: كذلِك أَكسِرُ هذا الشَّعبَ وهذه المَدينة، كما يُكسَرُ إِناءُ الخَزَّافِ الَّذي لا يُمكِنُ أَن يُجبَرَ مِن بَعدُ". 
بطرس ويوحنا دعيا الى إتّباع الخادم حامل الجرّة، رمز للعهد القديم الّذي يرشد تابعيه الى سيّد البيت، وسيّد البيت هو الذي يؤمّن للكنيسة مكان الإفخارستيا. بطريقة رمزية يقول أن عمل الخادم، العهد القديم، قد إنتهى بإرشاد شعب الله (ممثّلة ببطرس الرأس ويوحنا القلب) الى بيت السيد ومائدته الإفخارستية، إي الكنيسة
الماء: معانيه كثيرة في العهد القديم، إنما واحد فقط يعنينا هنا، في إطار العهد الجديد الذي يقيمه الرب مع شعبه، وفي إطار الإفخارستياـ الخروج الجديد
الماء الخارج من الصخرة في سفر الخروج، ماء الخلاص (خر 17،6 ها أَنا قائِمٌ أَمامَكَ هُناكَ على الصَّخرَةِ (في حوريب) فَتضرِبُ الصَّخَرة، فإِنَّه يَخرُجُ مِنها ماءٌ فيَشرَبُ الشَّعْب )).) وهو ما يعيد التذكير به النبي زكريا (زك 14،8) "ويَكونُ في ذلك اليَومِ أَنَّ مِياهاً حَيَّةً تَخرُجُ مِن أُورَشَليم" لذلك يشدّد لوقا على أورشليم من حيث المكان كمكان العشاء وليس خارج المدينة مع "القمرانيين" ومن حيث الزمان على "اليوم" (22،7) والساعة (22،14). 

خلاصة
"إِنَّ أَبي كانَ آراميُّا تائِهًا، فنَزَلَ إلى مِصرَ وأَقامَ هُناكَ مع رِجالٍ قَلائِل، فصارَ هُناكَ أُمَّةً عَظيمة قَوِّيةً كَثيرة" (تث 26،5
واجب على كل منّا التذكر أننا نحن هذا الأرامي التائه، غريب عن شعب الله، غريب عن صداقة الرب، مستثنى عن عهد الموعد وغريب عن جماعة إسرائيل، أرامي تائه وجد في كلمة الله و في جسده ودمه جسر عبور نحو أرض الموعد، وباب دخول نحو جماعة إسرائيل الجديد، الكنيسة، بواسطة جسد المسيح ودمه، كما يقول الرسول بولس (أفسس 2, 13-19
13
أَمَّا الآن ففي المسيحِ يَسوع، أَنتُمُ الَّذينَ كانوا بالأَمْسِ أَباعِدَ، قد جُعِلتُم أَقارِبَ بِدَمِ المسيح. 14 فإِنَّه سَلامُنا، فقَد جَعَلَ مِنَ الجَماعتَينِ جَماعةً واحِدة وهَدَمَ في جَسَدِه الحاجِزَ الَّذي يَفصِلُ بَينَهما، أَيِ العَداوة ،15وأَلغى شَريعةَ الوَصايا وما فيها مِن أَحكام لِيَخلُقَ في شَخْصِه مِن هاتَينِ الجَماعتَين، بَعدَما أَحَلَّ السَّلامَ بَينَهما، إِنسانًا جَديدًا واحِدًا 16 ويُصلِحَ بَينَهما وبَينَ الله فجَعَلَهما جَسَدًا واحِدًا بِالصَّليب وبِه قَضى على العَداوة. 17 جاءَ وبَشَّرَكم بِالسَّلام أَنتُمُ الَّذينَ كُنتُم بعيدين، وبَشَّرَ بِالسَّلامِ الَّذينَ كانوا قريبين، 18 لأَنَّ لَنا بِه جَميعًا سَبيلاً إِلى الآبِ في رُوحٍ واحِد. 19 فلَستُم إِذاً بَعدَ اليَومِ غُرَباءَ أَو نُزَلاء، بل أَنتُم مِن أَبناءَ وَطَنِ القِدِّيسين ومِن أَهْلِ بَيتِ الله، 
اليس لهذا دُعيت الإفخارستيا مع الآباء Viaticum أي زاد الطريق فهي تنقل الإنسان من حالة الأرامي التائه على دروب الموت الى حالة البنوة الإلهية بالمسيح يسوع؟.

اسبوع الآلام

 

 ourba3a2ayoub

اربعاء ايوب

 

الرسالة:

(عب 2 : 1 – 12 )
فإِنَّه لم يُخضِعْ لِلمَلائِكَةِ العالَمَ المُقبِلَ الَّذي علَيه نَتَكلَّم،فقَد شَهِدَ بَعضُهم في مَكانٍ مِنَ الكِتابِ قال: (( ما الإِنسانُ فتَذكُرَه؟ وما ابنُ الإنسانِ فتَنظُرَ إِلَيه؟حَطَطتَه قَليلاً دونَ المَلائِكَة وكَلَّلْتَه بِالمَجْدِ والكَرامَةوأَخضَعتَ كُلَّ شَيءٍ: تَحتَ قَدَمَيه )). فإذا (( أَخضَعَ لَه كُلَّ شَيء ))، فإِنَّه لم يَدَعْ شَيئًا غَيرَ خاضِعٍ لَه. على أَنَّنا لا نَرى الآنَ كُلَّ شَيءٍ مُخضَعًا لَه،ولكِنَّ ذَاكَ الَّذي ((حُطَّ قَليلاً دونَ المَلائِكَة ))، أَعْني يسوع، نُشاهِدُه مُكلَلاً بِالمَجْدِ والكَرامةِ لأَنَّه عانى المَوت، وهكذا بِنِعمَةِ اللّهِ ذاقَ المَوتَ مِن أَجْلِ كُلِّ إِنسانفذاكَ الَّذي مِن أَجْلِه كُلُّ شَيءٍ وبِه كُلُّ شَيء، وقَد أَرادَ أَن يَقودَ إِلى المَجْد ِكَثيرًا مِنَ الأَبناء، كانَ يَحسُنُ به أَن يَجعَلَ مُبدِئَ خَلاصِهم مُكَمَّلاً بِالآلام،  لأَنَّ كُلاًّ مِنَ المُقَدِّسِ والمُقَدَّسينَ لَه أَصْلٌ واحِد، ولِذلِكَ لا يَستَحْيي أَن يَدعُوَهم إِخوَةً  حَيثُ يَقول: سأُبَشِّرُ بِاسمِكَ إِخوَتي وفي وَسْطِ الجَماعَةِ أُسَبِّحُكَ.

 

 

الانجيل:

(يو 11 : 47 – 57)

فعقَدَ عُظَمَاءُ الكَهَنَةِ و الفِرِّيسيُّونَ مَجلِساً وقالوا: (( ماذا نَعمَل؟ فإِنَّ هذا الرَّجُلَ يَأتي بِآياتٍ كثيرة
 
فإذا تَركْناهُ وشَأنَه آمَنوا بِه جَميعاً، فيأتي الرُّومانِيُّونَ فيُدَمِّرونَ حَرَمَنا واُمَّتَنا.فقالَ أَحَدُهم قَيافا، وكانَ في تِلكَ السَّنَةِ عَظيمَ الكَهَنَة: (( أَنتُم لا تُدرِكونَ شَيئاً،  ولا تَفطُنونَ أَنَّه خَيرٌ لكُم أَن يَموتَ رَجُلٌ واحدٌ عَنِ الشَّعْب ولا تَهلِكَ الأُمَّةُ بِأَسرِها. ولَم يَقُلْ هذا الكَلامَ مِن عِندِه، بَل قالَه لأَنَّه عظَيمُ الكَهَنَةِ في تِلكَ السَّنَة، فَتَنَبَّأَ أَنَّ يسوعَ سيَموتُ عَنِ الأُمَّة،  ولاعنِ الأُمَّةِ فَقَط، بل لِيَجمَعَ أيضاً شَمْلَ أَبناءِ اللهِ المُشَتَّتين فعَزَموا مُنذُ ذلك اليَومِ على قَتْلِهفكَفَّ يسوعُ عنِ الجَوَلانِ بَينَ اليَهودِ عَلانِيََّةً، فذهَبَ مِن هُناكَ إِلى النَّاحِيَةِ المُتاخِمَةِ لِلبَرِّيَّة إِلى مَدينةٍ يُقالُ لَها أَفرامُ، فأَقامَ فيها معَ تَلاميذِه

 

تأمل في الانجيل:

ها هو الإنسان يصرخ كلمة الحقّ، حين دقّت ساعة الحقّ، عرياناً خرجت من جوف أمّي وعرياناً أعود إلى هناك.

لقد ذاق الإنسان طعم الألم وخبِر تجربة خسارة كلّ ما له. وإذا به أمام عري الواقع، وحيداً لا مال ولا مقتنى ولا أولاد ولا صحّة ولا جمال. وحده خائر القوى يلامس اليأس ولا يقع، ويداني الكفر ولا يجهر به. يعرف أنّ ليس هناك شيء ممّا له ولم يعطه، ولا يفهم لماذا تؤخذ خيراته منه.

يصرخ إلى الله لعلّه يجد فيه سنداً لهمّه وعزاء لغمّه، ولكنّه لا يسمع جواباً فيقلق. أتراه وحده في عتمة هذا الكون العنيد الطمّاع الذي لا يريد لأحدٍ خيراً؟ يصمت حائراً ويسقط خائراً قلبه مليء بالعتب، يسند رأسه بيده ليرى وجه السماء ويصرخ: عتبي عليك يا ألله وماذا جنت يداي حتى أصاب بكلّ ما رميت به من أسى وشقاء.

حكاية أيوب هي حكاية ثقة الله بالإنسان الصادق. نحن نقول حين نعلن إيماننا بقانون الإيمان "نؤمن بإله واحد"، ولكنّ الله قد سبقنا وأعلن إيمانه بالإنسان الذي يسمع كلام الله ويعمل به متكلاً تمام الإتكال على الله، لا على قواه الخاصّة التي تسقط كالرماد أمام الريح. راهن الله بأنّ أيوب لن يسقط ولن يكفر ولو ضُرب بشرّ الضربات.

بينما راهن الله على الضعيف، نرى بالمقارنة مع إيليا النبي الغيور حامل السيف للدفاع عن عقيدة الإيمان المستقيم، أن هذا الإنسان القويّ إكتشف أنّ قوّته بعيداً عن الله لا تساوي شيئاً. فراهن هو على الله ونجدته له. الله يراهن على الإنسان الضعيف، والإنسان القويّ يراهن على الله. هي هي قصّة البشرية منذ كانت. فحين اتكل آدم على قدرته بعيداً عن الله سقط وحين قال المسيح لتكن مشيئتك يا الله، تمّت الغلبة على الموت وعلى الخطيئة وعلى الشيطان.

لئن عتب الإنسان مع أيّوب على ربّه فعتابه محبّب مبرّر. أمّا إنساننا اليوم فأيّ ألم تراه يشكو أكبر من ألم البعد عن الله ورفضه إيّاه.

عالم اليوم أقرب ما يكون إلى الكفر الشامل الذي وقعت فيه البشرية يوم صرخت أصلبوه اصلبوه. لقد فقد الإنسان غاية وجوده الحقيقية، وراح يعبث متحدّياً ربه متّكلاً على عقله وعلمه ومختبراته ومصانعه، تاركاً ما هو لله يغرق في طيّات الزمن العتيق.

لقد خسر الإنسان مرجعيته السامية وانتسب إلى ذاته ليس إلّا، فخسر تلك المرجعية العليا ولم يقدر أن يعرف ذاته حقّ المعرفة. ولكنّ الله لا يترك شعبه فغالباً ما نسمعه يقول: من أُرسل ومن ينطلق ليوقظ شعبي. وتروح كلمات الهداية تقرع الصدور والأبواب. ويسمع الإنسان فيسكت ويصغي ويعرف أن رجعته إلى بيت الآب وعدٌ قد تحقّق، وأنّ كلمة أيّوب "عرياناً خرجت وعرياناً أعود" كان ينقصها فعل الخلاص، ولم يعد للألم مكاناً في الدنيا، لأنّ المسيح أعطى بآلامه آلامنا لوناً جديداً وطعماً جديداً وهدفاً جديداً. وإذا بنا نعود مزوّدين بحبّ الله قرباناً وبرحمته غفراناً. نعود وقد لبسنا ثياب المجد ناصعة كالثلج بياضاً لأنّها قد غُسِلت بدم الحمل.

.

اسبوع الآلام

 

rameaux

احد الشعانين

 

الرسالة:

(فيل ١،١-١٣)

مِن بولُسَ وتيموتاوس، عَبدَي المَسيح يسوع، إلى جَميع القِدّيسينَ في المسيح يسوع، الّذينَ في فيليبي، مَع الأساقِفة والشَّمامِسة: النِّعمَةُ لَكُم، والسَّلامُ مِنَ اللهِ أبينا والرَبِّ يسوع المسيح! أشكُرُ إلهي، كُلَّما ذَكَرتُكُم، ضارِعًا بِفَرَحٍ على الدَوامِ في كُلِّ صَلواتي مِن أجلِكُمْ جَميعًا لِمُشارَكَتِكُم في الإنجيلِ مُنذُ أوَّلِ يَومٍ إلى الآن. وإنّي لَواثِقٌ أنَّ الّذي بَدأ فيكُم هذا العَمَلَ الصّالِحَ سَيُكَمِّلَهُ حتى يَومِ المسيحِ يسوع. فأنَّهُ مِنَ العَدلِ أن يَكونَ لي هذا الشُعورُ نَحوَكُم جَميعًا، لأنّي أحمِلَكُم في قَلبي، أنتُم جَميعًا شُرَكائي في نِعمَتي، سَواءً في قُيودي أو في دِفاعي عَن الإنجيل وتَثبيتِهِ، فإنَّ اللهَ شاهِدٌ لي كَمْ أتَشَوَّقُ إلَيكُم جَميعًا في أحشاءِ المسيح يسوع. وهذه صَلاتي أن تَزدادَ مَحَبَّتُكُم أكثَرَ فأكثَرَ في كُلِّ فَهمٍ ومَعرِفَة، لِتُمَيِّزوا ما هوَ الأفضَل، فَتَكونوا أنقياءَ وبِغَيرِ عِثارٍ إلى يَوم المَسيح، مُمتَلِئينَ مِن ثَمَرِ البِرِّ بيسوعَ المسيح لِمَجدِ الله ومَدحِهِ. أُريدُ أن تَعلَموا، أيُّها الإخوة، أنَّ ما حَدَثَ لي قَد أدّى بالحَريِّ إلى نَجاح الإنجيل، حتّى إنَّ قُيودي مِن أجلِ المسيحِ صارَت مَشهورَةً في دارِ الوِلايَةِ كُلِّها، وفي كُلِّ مَكانٍ آخَر.

 

 

الانجيل:

(يو 12: 12 – 22)

لَمّا سَمِعَ الجَمعُ الكَثير، الّذي أتى إلى العيد، أنَّ يَسوعَ آتٍ إلى أورَشَليم، حَمَلوا سَعَفَ النَّخلِ، وخَرَجوا إلى مُلاقاتِهِ وَهُمْ يَصرُخون: "هوشَعنا! مًبارَكٌ الآتي باسْمِ الرَبّ، مَلِكُ إسرائيل". وَوَجَدَ يسوعُ جَحشًا فَرَكِبَ عَلَيه، كَما هوَ مَكتوب: "لا تَخافي، يا ابنَةَ صِهيون، هوَذا مَلِكُكِ يأتي راكِبًا على جَحْشِ ابْنِ أتان". وما فَهِمَ تَلاميذُهُ ذلِك، أوَّلَ الأمِر، ولَكِنَّهُم تَذَكَّروا، حينَ مُجِّدَ يسوع، أنَّ ذلِكَ كُتِبَ عَنْهُ، وأنَّهُم صَنَعوهُ لَهُ. والجَمعُ الّذي كانَ مَعَ يسوع، حينَ دَعى لَعازَرَ مِنَ القَبْرِ وأقامَهُ مِنْ بَينِ الأموات، كانَ يَشْهَدُ لَهُ. مِن أجلِ هذا أيضًا لاقاهُ الجَمِع، لأنَّهُم سَمِعوا أنَّهُ صَنَعَ تِلكَ الآية. فَقالَ الفَرِّيسيّونَ بَعضُهَم لِبَعضْ: "أُنظُروا: إنَّكُم لا تَنفَعونَ شيئًا! ها هوَ العالَمُ قَد ذَهَبَ وراءَهُ!". وكانَ بَينَ الصّاعِدينَ لِيَسجُدوا في العيد، بَعضُ اليونانيّين. فَدَنا هؤلاءِ مِن فيليبس الّذي مِن بَيتَ صيدا الجَليل، وسألوهُ قائلين: "يا سَيِّد، نُريدُ أن نَرى يسوع". فَجاءَ فيليبس وقالَ لِأندراوس، وجاءَ أندراوس وفيليبس وقالا ليسوع.

 

 

تأمل في الانجيل:

يسرد يوحنا هذه الفترة من حياة يسوع سرداً واحداً كأنه يتكلم عن فترة زمنية واحدة رغم أن هذه الفترة تمتد من 22 تشرين الأول إلى 14 من نيسان (عيد الفصح). لا يمكننا ان ننسب إلى يوحنا جهلاً للتقاليد اليهودية، لأنه يهودي إنما الإنجيلي اراد أن يوصل لنا رسالة خلاصية مهمة قد رآها في أحداث حياة يسوع
عيد المظالإنطلق يسوع من الجليل إلى أورشليم للمشاركة في العيدفالى عبر الأردن (يو 40:10) ثم إلى بيت عنيا حيث أقام لعازر (يو45:10). 
عيد التطهيريسوع في بيت عنيا (يو 55:10
عيد التجديديسوع يدخل أورشليم (يو12:12) عيد الفصح يسوع يصلب

لماذا تستقبل الحشود يسوع هذا الإستقبال الملكي؟ 

1-
عادات اليهود في أعيادهم
بعد توحيد مكان العبادة وإلغاء كل الهياكل في الشمال وحصرها في هيكل أورشليم، كان على كل يهودي أن يقوم بزيارة الهيكل في أورشليم، ويقدموا تقادم ثمار الأرض، ينصبوا المظال حول الهيكل ويحجوا، في عيد المظال وفي عيد الفصح
وكان عيد المظال يدعى لدى اليهود عيد الفرح، أو أيضاً: Atid Lavo أي المزمع ان يأتي (عيد المظال تسمية أطلقها الوثنيّين على العيد)، وكان بعكس عيد الفصح الذي يغلب عليه طابع الألم (الأكل وقوفا، وتذكر الخروج، والطابع الدموي)، كان عيد المظال هو عيد فرح، يغنون ويرقصون ويحملون أغصان النخل (الإنتصار) والزيتون (السلام)، وينزل سكان المدينة إلى مداخل أورشليم لإستقبال الحجّاج بالهتاف والغناء. في عيد المظال كان الشعب يتذكر سكناه مع الرب في الصحراء، ويعتبرونها من الأوقات الذهبية لأن الرب كان حاضراً في وسطهم ليخلصهم، ولذلك كانوا في هذه الفترة يهتفون هوشعنا، أي الله يخلصنا

2-
قيامة ألعازر
السبب الثاني لهذا الإستقبال الملكي ليسوع حين دخل أورشليم هو أن الحجّاج قد جاؤوا من بيت عنيا أيضاً ونقلوا خبر قيامة لعازر، واخبروا أن يسوع آتٍ اورشليم للعيد، فلا بد أن من سمع أخباره قد ذهب لإستقباله، لا سيّما بعد أن اجترح المعجزات، والمعجزات بالنسبة لليهود هي دليل النبوءة والمسيحانية: نبوءة أشعيا قد تحققت به: العمي يبصرون والعرج يمشون، والموتى يقومون: إذا هذا هو المسيح جاء يخلصهم من نير الإحتلال الروماني

لاهوت التجديد المرتبط بهذه الأعياد
إن الرب قد خلق الوجود ولم يُعده الى العدم، ليس لأنه عاجز بل لأنه يحب ويحترم، لأنه وفي لكلمته
حين أخطأ آدم وحواء لم يبدهما الرب ويخلق إنساناً آخر لا يخطيء (كما قد يفعل الولد حين يرسم، إذا أخطأ مزّق الورقة وبدأ على ورقة جديدة) بل أكمل مع آدم وحواء المشوار الذي بدأه. وحينالطوفان لم يمح الأرض كلها ويخلق من جديد، بل أكمل مع نوح، رمز الوفاء للعهد مع الرب. ومعمجيء الرب لم يمح الناموس، لم يمح العادات، ب أكملها وتممها. عادات وتقاليد الشعب اليهودي أظهر معناها الحقيقي، لم يلغ المظال بل أظهر معناها الحقيقي، لم يلغ الهتاف والهوشعنا بل أظهر معناها الحقيقي، لم يلغ النبوءات بل أظهر معناها الحقيقي
إذاً أي معنى حقيقي قد اظهر؟ 
هذه الفترة من أعياد الشعب اليهودي تعود بنا إلى فترتين مهمتين من علاقة الشعب مع الرب
-
في عيد المظال يتذكر الشعب اليهودي الخروج من مصر وسكنه في الخيام مع الرب، وسكنه هو في خباء المحضر، أي في خيمة الحضور، وهي من أجمل أعيادهم لأن الرب كان دائماً معهم، في عمود من غمام نهاراً ومن نار ليلاً
المسيح لم يلغ هذا العيد بل أظهر معناه، ظهر هو بين الشعب، ظهر هو "الله معنا"، يسوع المخلص (يهوشعنا)، أظهر حضور الله الفعلي، تجسد عمود النار والغمام بينهم
-
في عيد التجديد يتذكر الشعب الخروج الثاني، العودة من السبي، حين أعادوا تكريس الهيكل الذي هو رمز حضور الرب بين شعبه. وفي هذا العيد كان الشعب يتذكر سؤال الملك سليمانولكن هل سيسكن الله على الأرض؟». 
إذا لم نفهم معنى هذا العيد، وتشديدهم على هذا السؤال في إحتفالاتهم الليتورجية لا يمكن أن نفهم ما أراد يوحنا ان يوصل إلينا. بدخول المسيح صار الجواب على سؤال سليمان (1مل 27:8). المسيح هو المخلّص، هو الله القادم إلى هيكله

ومع يسوع أيضاً تتم نبوءة أخرى، نبوءة زكريا: ها هو ملكك يأتيك راكباً على اتان، وجحش إبن أتان، وبحسب تفسير «المدراش» كان الأتان يعني الشعب اليهودي حامل الواح الوصايا، وابن الأتان الذي لم يستعمل بعد كان يعني الأمم التي لم تحمل الوصايا. المسيح سيملك على الكل، وسيحرّر الجميع. وبحسب تفسير السنهدرين والشيوخ ال72، كان راكب الأتان هو رمز للشخص المسالم، بينما الحصان هو رمز الحرب، إن المسيح يأتي ملكاً للسلام

من دون هذين العيدين لا يعود لدخول المسيح إلى أورشليم أي معنى
دخول المسيح وهتاف الهوشعنا نفهمه على ضوء هذين الحدثين. الشعب اليهودي في غضون هذه الأيام التسعة يستعيد تاريخه هذا ويستذكر تدخّل الله دوماً في حياته، كما نحيا نحن أسبوع الآلام والقيامة، قراءات كثيرة، وتأمل بحضور الرب، والتوبة والطلب من الرب أن يأتي من جديد: وما هي علامات مجيئه من جديد؟ نبوءة أشعيا التي رأوها تتحقق بالمسيح. لذلك ترك الشعب الخيام والهيكل وإتجهوا نحو المسيح. عاداتهم كانت تقتضي ان يصرخوا هوشعنا في الهيكل وفي المظال لياتي الرب، وحين رأوه حاضراً ذهبوا لإستقباله
الكتبة والفريسيين هم الأكثر وعياً للحقيقة الكتابية وللمعنى الليتورجي للعيدين، ولهذا كانوا الأكثر رفضاً، لأن عمل الهيكل والمظال قد إنتهى، والمسيح قد جاء ليحررههم


التأمّل

1-
أولوية الحقيقة في حياتنا: السعي إليها والشهادة لها 
المسيح يدخل إلى أورشليم، يتمم النبوءات، يعلم أن هذا سوف يقوده إلى الموت، أنما لم يساوم على الحقيقة، لأنه هو الحقيقة، لأنه هو الحق، هو الله، واله لا ينكر ذاته. هذا يدفعنا إلى التأمل في واقعنا، في حياتنا المسيحية، وفي التزامنا الكنسيّما مدى اولوية الحقيقة في حياتنا؟ اولوية الشهادة للحقيقة حتى الإستشهاد: الحقيقة لمبادئنا المسيحية؟ ما مدى الشهادة للحقيقة في تبشيرنا؟بماذا ابشّر، وكم أنا صادق في بشارتي لمسيح؟ المسيح في صِدقه جلب الكون كله اليه (11، 19)
2-
أين هي مظالنا نحن اليوم؟ 
هل هي مقتضية على الخيمة التي سنضعها في خميس الجسد لتظلل الرب الحاضر في القربان؟ أين هو حضور الرب في حياتنا؟ أين هي مظلته بيننا، في جماعاتنا، في بيوتنا، في مدارسنا، في جامعتنا، في علاقتنا مع الآخرين؟ ما مدى شهادتنا لحضور الرب بيننا؟ 
3-
علاقتنا الشخصية بالرب؟ 
الجموع كانت تصرخ "هوشعنا"، أي أنها كانت تصرخ إسم الرب مع الضمير المتّصل "نا": الترجمة قد تكون "يسوعنا"، "مخلّصنا". نتساءل عن العلاقة الخاصة التي تربطنا بالرب لنصرخ له "يسوعنا"، فأحياناً تقتصر معرفتنا للرّب على معرفة نظرية، ننتظره كما إنتظره اليهود، مخلص زمنيّ أو سياسيّ أو حزبيّ، تضحي الهوشعنا شبيهة بصراخ متظاهرين في الساحات. الشعب اليهودي إنتظر المسيح واستقبله لأنه المخلص، ولما رأى أن طريقة يسوع لا تعجبه صرخ في اليوم التالي "إصلبه". ونحن هل ننتظر الرب يسوع كما هو، ونؤمن به ونتبعه كما يريد هو، وعلى طريقته، أو اتبعه لأنه سيخلصني من أخطاء معينة، من حرب معينة، من إضطهاد، من موت... وإذا رأيت طريقة الرب مختلفة عن تفكيري أتركه وأصرخ "أصلبه"؟ كم من المرّات نطلب من يسوع حلولاً سريعة وسحرية، لا نرضى بيسوع المسالم الذي يسالمني مع ذاتي، أنا أرفض ذاتي وواقعي وضعفي وممدوديتي وطاقاتي وشكلي وخطيئتي،، وأريد المسيح الذي يقتلعها وليس يسوع الذي يسالمني معها لينميني وينضجني لأجد أنا لها حلاًّ لأنه يريدني أن اكون سيداً على ذاتي. أرفض الحلّ الّذي يستلزم الجهد والتضحية والتسليم المطلق للرب، الحل الذي ينميّ شخصيتي، وأطلب حلاً سريعاً وسحرياً، أطلب برأبا الذي يقود ثورة ضد الرومان، ثورة كانت ستقود لخراب الهيكل، أطلب ثورة على واقعي، ثورة خارج المسيح قد تهدم هيكل الروح القدس، قد تهدم الإنسان الناضج الذي عليه أن يحمل المسيح إلى الأمم
4-
المسيح هو الملك الأوحد على حياتنا ووجودنا
لقد أُعجب اليهود بقدرة يسوع بعد أن رأوا لعازر فصرخوا له: "هوشعنا" "مبارك ابن داود" و"مبارك الملك الآتي باسم الرّب"، وبعد خمسة أيام صرخوا "فليصلب" وصرخ قادتهم "دمه علينا وعلى أبنائنا". لقد خذل يسوعُ الشعبَ، خاب أملهم، ظنّوه مخلّصاً جاء يريحهم من أثقال النير الرومانيّ ومن الضرائب القاسية. أرادوه أمير حرب فجاء أمير سلام، أرادوه رجل سيف فأعلن أنّه يلقي نار الحبّ في الأرض وكم كانت رغبته أن تشتعل الأرض حبّاً. لم يكن هو المخلّص المطلوب، وكان من الأفضل له أن يرحل. ونحن اليوم كم نجد كلام يسوع مزعجاً، يدعونا الى التضحية، الى المغفرة، الى المحبّة، يدعونا الى حمل صلبان حياتنا، الى السير في الطريق الضيّق تمزّق أشواكه أقدامنا. نفتّش عن الحلول السهلة، نسمح للحقد أن يملك في قلوبنا، نعتنق منطق الإنتقام ونريد أن نحلّ مشاكلنا بسيف قوّتنا الذاتيّة. كما الشعب القديم نزيل يسوع من حياتنا لنقدر أن نحلّ مشاكلنا بطرقنا الخاصّة. نصرخ "فليُرفَع"، نزيله من حياتنا، نحيا انقساماً بين ما نؤمن به وما نطبّقه
هل نعلن المسيح ملكاً أوحد على حياتنا؟ من هو أو ما هو الملك الحقيقيّ على قلبي؟ هل هو يسوع أم هي أموالي، وسلطتي ومقتنياتي؟ لا مساومة في اتّباع يسوع ولا حلول وسط، إمّا أن نختار يسوع أو نختار رغباتنا، لا يمكن ليسوع أن يتساكن ومنطق الحقد والقوّة والعنف. هوشعنا الأطفال هي دعوة لنا لنختار، ويسوع يريدنا أحراراً، نختاره بحرّيتنا أو نتركه بإرادتنا، وكأحرار نتحمّل مسؤوليّة خياراتنا
هو عيد "الشعنينة" عيد الأطفال: منذ القرون الأولى للكنيسة، لا سيّما في كنيسة أورشليم وإنطاكيا، إرتبط هذا العيد بالأطفال وبهتاف الأطفال. في هذا العيد تزدان كنائسنا بأطفال يزدهون بأجمل الملابس وأبهى الشموع. نفرح بهم، نفتخر بهم، نبتسم ونضحك، ويسوع يفرح ويفتخر ويُسرّ. فهم الأبرياء، وهم مثالنا في الحياة المسيحيّة: "من لا يعود كالأطفال لا يدخل ملكوت السماوات" يقول السيّد، فالطفل بريء، لا يحقد، يسامح، يحبّ، ينظر بعين البراءة لا بالنيّة الشريّرة، هو الكائن المتّكل دوماً على والديه، يلقي ذاته بين يديهما بثقة. هم مثالنا في السعي الى البراءة من جديد، الى امتلاك النظرة الصافيّة وسرعة المسامحة والقدرة على المحبّة، إنّهم مثال لنا في الإتّكال على الله والإرتماء بين يديه دون تردّد وبثقة لا حدّ لها. هم مثال لنا بثيابهم اليوم في ضرورة أن نعيد النقاوة الى ثوب معموديّتنا من جديد، ثوباً لبسناه ناصعاً ولطّخناه بخطايا كثيرة، فلنُعِد اليه نقاوته بتوبتنا الصادقة، فنصرخ مع الأطفال، بفرح الأطفال وحبّهم، "هوشعنا ابن داود"، نعلن يسوع مخلّصنا وفادينا والملك الأوحد على حياتنا.

.

.

زمن الصوم

 

shefa2a3ma

الاحد السادس: شفاء الاعمى

 

الرسالة:

(2كور 10: 1 – 7)

أنا بولس نَفسي أُناشِدُكُم بوَداعَة المسيح وحِلمِهِ، أنا المُتواضِعُ بَينَكُم عِندما أكونُ حاضِراً، والجَريءُ عليكُم عِندما أكونُ غائبًا. وأرجو ألاّ أُجبَرَ عِندَ حُضوري أن أكونَ جَريئاً، بالثِّقةِ التي لي بِكُم، والتي أنوي أن أجرؤَ بِها على الذينَ يَحسَبونَ أنَّنا نَسلُكُ كأُناسٍ جسديِّين. أجل، إنَّنا نَحيا في الجَسَد، ولَكِنَّنا لا نُحارِبُ كأُناسٍ جَسَديّين؛ لأنَّ أسلِحَةَ جِهادِنا لَيسَت جسديّة، بَل هيَ قادِرَةٌ باللهِ على هَدمِ الحُصونِ المَنيعة؛ فإنَّنا نَهدِمُ الأفكارَ الخاطئة، وكُلَّ شُموخٍ يَرتَفِعُ ضِدَّ مَعرِفَة الله، ونأسُرُ كَلَّ فِكرٍ لِطاعَةِ المَسيح. ونَحنُ مُستَعِدّونَ أن نُعاقِبَ كُلَّ عُصيان، متى كَمُلَتْ طاعَتُكُم. إنَّكُم تَحكُمونَ على المَظاهِر! إن كانَ أحَدٌ واثِقًا بِنَفسِهِ أنَّهُ لِلمَسيح، فَلْيُفَكِّر في نَفسِهِ انَّهُ كَما هوَ للمَسيح كذَلِكَ نَحنُ أيضًا.

 

 

الانجيل:

(مر 10: 46 – 52)

قالَ مرقس البشير: بَينَما يسوعُ خارِجٌ مِن أريحا، هوَ وتَلاميذُهُ وجَمْعٌ غَفيرْ، كانَ بَرطيما، أي ابنُ طيما، وهوَ شَحَّاذٌ أعمى، جالِسًا على جانِبْ الطَريق. فَلَمّا سَمِعَ أنَّهُ يَسوعُ النّاصِريّ، بَدأَ يَصرُخُ ويَقول: "يا يسوعُ ابنَ داودَ ارحَمني!". فانتَهَرَهُ أُناسٌ كَثيرونَ لِيَسكُتْ، إلاّ أنَّهُ كانَ يَزدادُ صُراخًا: "يا ابنَ داودَ ارحَمني!". فَوَقَفَ يسوعُ وقال: "أُدعوه!". فَدَعَو الأعمى قائلين لَهُ: "ثِقْ وانهَضْ! إنَّهُ يَدعوك" فَطَرَحَ الأعمى رِداءَهُ، وَوَثَبَ وجاءَ إلى يسوع. فَقالَ لَهُ يسوع: "ماذا تُريدُ أنْ أصنَعَ لَكَ؟". قالَ لَهُ الأعمى: "رابُّوني، أنْ أُبصِر!". فقالَ لَهُ يسوع: "إذهَبْ! إيمانُكَ خَلَّصَكَ!". ولِلوَقتِ عادَ يُبصِر. وراحَ يَتبَعُ يسوعَ في الطريق.

 

 

تأمل في الانجيل:

موقع النّص من الإنجيل:إن رواية الشفاء هذه يضعها مرقس كخاتمة لقسم من الإنجيل تحضّر لمرحلة بغاية الأهميّة. يسوع ينتقل من الجليل الى أورشليم عابراً أريحا. يكوّن هذا النّص خاتمة الجزء الأوّل من القسم الأخير في إنجيل مرقس (8، 27- 16، 8) الّذي يروي وجود الرّب في أورشليم. يمكننا ان نعطي القسم الممتد من 8، 27- 10، 25 عنوان "السير نحو أورشليم"، يبتدىء بسؤال حول هويّة يسوع. بعد رسالة يسوع الجليليّة، يذهب مع التلاميذ نحو الشمال، الى قيصريّة، لتبدأ المسيرة من النقطة الشمالية الأقصى نحو المدينة المقدّسة، نحو أورشليم، لتتميم الفصح الحقيقيّ، بموت يسوع وقيامته
يُختَتَم هذا الجزء الأوّل من القسم الأخير برواية شفاء الأعمى في أريحا. هي المعجزة الأخيرة التي سوف يقوم بها يسوع قبل دخوله الى أورشليم. لقد حافظ مرقس حتى الآن على السرّ المسيحانيّ، فيسوع يطلب دوماً من الّذين شفاهم ومن التلاميذ عدم إعلان هويّته، لا خوفاً من اليهود إنّما لأن الشعب لم يكن بعد مستعدّاً لفهم حقيقة هويّته ودوره، ولهذا صرخوا له أثناء دخوله أورشليم، ظنّاً منهم أنّه المخلّص العسكري والقائد اليهوديّ المزمع رفع النير اليونانيّ عنهم. إن السرّ المسيحاني لا يعتلن نهائيّاً إلاّ فوق الصليب وعلى لسان قائد المئة الرومانيّ: "لقد كان هذا حقّاً إبن الله" (15، 39). إنّما هذا الإعتلان النهائيّ يمهّد له مرقس رويداً رويداً بطريقة تصاعديّة. فالشعب يقدر أن يفهم بواسطة الله نفسه الّذي يتدخّل ليفتح أعينهم، وهذا الحدث هنا، رواية شفاء الأعمى، الى جانب حقيقته التاريخيّة، ينطوي على بعدٍ لاهوتيٍّ مهمّ: لقد فتح الله عيني الأعمى كما فتح أعين الشعب ليصبحوا قادرين على فهم هويّة يسوع المسيح

الشخصيات في هذا النص
برتيماوس (إبن طيما): يوضِح لنا النصّ الانجيلي أن برتيماوس كان متسوّلاً أعمى "جالس على جانب الطريق" يستعطي خارج أريحا، يطلب الحسنة من جمهور الحجاج الذاهبين إلى مدينة أورشليم لِقضاء عيد الفصح. في كُلِّ الشِفاءات لم يُذْكَر إسمِ الشَخصِ المريض:النازِفة، ألابرص، المُخَلَّع. في هذا النص ذُكِرَ إسم ألاعمى. إن ذكر الإسم قد يكون دليلاً على اتّباع هذا الشخص ليسوع ودخوله في الجماعة الكَنَسِيَّة
الجموعكما في رواية الإمرأة النازفة، وفي رواية الكسيح في كفرناحوم، وفي رواية زكّا العشّار، يشكّل الجموع حاجزاً بين الانسان الطالِب للشِفاء وبين يسوع المسيح. إنّهم مجموعة تتبع يسوع لأسباب شخصيّة، بدافع من الحشريّة أو طلباً لشفاء. لم يدخلوا حتّى الآن في سرّ هويّة يسوع المسيح، لم يقبلوا حقيقة المسيح المتألّم والمائت
التلاميذ:إنهم أشخاص تَبِعوا يسوع المسيح، إقتَنَعوا بمنطِقِه انّما لا يزالون على الحياد وغير مُدرِكين ماذا يَحدُث. إنّهم أشخاص في مسيرة تعلّم، أحياناً يفكّرون مثل الجموع، يريدون من يسوع تلبية رغباتهم، كما في النّص السابق لرواية الشفاء هذه حين يطلب ابنا زبدى من يسوع إجلاسهما عن يمينه وعن يساره في مجده (مر 10، 35-36)، وأحياناً أخرى كانوا يتجادلون في من هو الأعظم بينهم (مر 9، 33-37). 
في القسم ألاول من الاناجيل الازائية، تَبِعَ التلاميذ يسوع وهم لا يفهمون شيئًا، كان لكُلُّ واحِدٍ منهم نظرة خاصَّة حوله. منهم من كان يَعتَقِد أن يسوع جاء لِيُخَلِّصَهم من الاحتلال الروماني، ومنهم من رآى فيه معلّماً كسائر المعلّمين، وبطرس نفسه سَحَبَ السيف ليُدافِع عن يسوع ليلة أُسلِمَ إلى اليهود

الاماكن
أريحاتَقَع هذه المدينة في شرق الاراضي المُقَدَّسة على حدود الأردن وهي بالتالي ليست قريبة من أورشليم. لدينا هنا نَقْلَة جُغرافِيَّة. لا نَعرِف حتى الان ما الرابِط بين المِنطقتين انما سنجِد هذا الرابِط من خلال الآية الاخيرة في هذا النص:"وتَبِعَ يسوع في الطريق". هذه الطريق لم تَكُن قصيرة أو سهلة انما كانت طويلة. هي ليست فقط الطريق الجُغرافيَّة التي تربط أريحا بأورشليم إنما هي خاصًّةً الطريق الروحية، طريق التتلمذ ليسوع المسيح
أورشليم هي نقطة الوصول، هي مكان الألم والموت، مكان تمجيد يسوع على الصليب. لدى دخول يسوع اليها أعلنته الجموع مخلّصها وابن داود المُنتَظر، وأمام بيلاطس صرخوا ضدّه ليُصلب. إن أورشليم هي غاية المسيرة ومكان إتّمام فصح العبور من أرض الخطيئة الى أرض الميعاد، عبور يتمّ بدم يسوع المسيح المعلّق فوق الصليب. هذا النص يسبق دخول يسوع الى أورشليم، كتتميم لنبوءات العهد القديم في شخص يسوع المسيح

النوع الأدبيّ
يندرج هذا النص ضمن مجموعة معجزات الشفاء، وكسائر روايات الشفاء في إنجيل مرقس وفي الازائيين، يَتَكَوَّن هذا النّص من الاجزاء التالية
يسوع مَارًّا في الطريق 
التلاميذ مقابِل الجموع 
الشَخص المُحتاج 
نوع المَرَض أو الحاجة 
الانطلاق نحو يسوع 
إعلان الحاجة وطلب التدخّل (في أغلب الاحيان تُحاوِل الجموع وحتى التلاميذ إبعاد الشَخْص عن يسوع
تَدَخُّل من يسوع مع حوار بين الاثنين 
إعلان الايمان من قِبَلِ الشخص المُحتاج 
إعلان الشِفاء من قِبَل يسوع المسيح 

رأينا سابِقًا، في إنجيل مرقس وفي الاناجيل الازائيَّة، يسوع المسيح يمنع الشخصَ المُحتاج من إعلان هويّته ونشر خبر المعجزة. هذا ما سُمِّيَ بالسِرِّ المسيحاني في إنجيل مرقس وأخذه عنه الإزائيّيَن الآخَرَين. أمّا هنا فلا نجد لهذا السرّ المسيحانيّ من أثر: لقد بدأ المسيح يعلن سرّ هويّته تمهيداً للإعتلان الأعظم على الصليب. من خلال شفاء الأعمى بدأ الرّب "يفتح عيون الشعب ليبصروا ويعودوا إليه فيشفيهم". لهذا السبب نجد سلسلة من الإعتلانات في هذا الجزء من الإنجيل: الدخول الى أورشليم (مر 11)، يسوع يعلن عن خراب الهيكل والتحذيرات حول الخراب العظيم ومجيء ابن الإنسان (مر 13) وصولا الى أحداث الآلام والقيامة
لهذا السبب لا نجد أثراً للسرّ المسيحانيّ في هذا النّصّ: لقد صَرَخ الاعمى بأعلى صَوتِه، وبأكبَر لَقَب مسيحاني مُمكِن أن يُطْلَقَ على إنسان يهودي، "يا ابن داود" أي المسيح المُنتَظَر. اليهود يَعرِفونَ العَهدِ القَديم وتَحْديدًا سِفر صَموئيل الثاني ويُدرِكون ما هي نُبُوءَة ناتان وَيَعْرِفون الوَعْد الذي قَطَعَهُ الله منذ ألفين سنة للشعب الاسرائيلي بأن يُرسِل من نسل داود مَن يَجْلِس على عَرْشِه إلى الابد ولا يَكون لِمُلْكِهِ إنقِضاء. بِقولِهِ هذه العِبارة "يا ابن داود ارحمني"، يُعَرِّضِ الاعمى نَفسَه للرَجْمِ في مَجمَعِ اليهود لانه أطلَقَ إسمِ المسيح ابن داود على شَخص مارّ في الطَريق بِرِحلة حَجّ من الجليل إلى أورَشليم في عيد المَظال. هذا الصِياح ما هو إِلاَّ مقدّمة لهتافات الجموع عندما دَخَلَ يسوع أورشليم كَمَلِكٍ ظَافِر: "هوشعنا! تبارك الآتي باسم الربّ!تباركت المملكة الآتية، مملكة أبينا داود!هوشعنا في العلى!" 

"
جالِسًا على جانِبِ الطريق
جانب الطريقليست مُجَرَّد المكان الجُغرافي انما أيضًا الروحي . para tyn hodon عبارة نَجِدها ايضاً في مثل الزارع، حيث تسقط البذار على جانب الطريق وتبقى عقيمة. البِذار المُلقاة إلى جانِبِ الطريق بَقيت خارِج سِرّ يسوع المسيح، بَقِيت para وبالتالي لا يُمكِن أن تَلتَقي مع يسوع المسيح
في هذا النَصّ إِنتَقَلَ الاعمى من قارِعَة الطريق إلى إِتِّباع يسوع. لقد كان الأعمى على هامش الوجود. إنه شخص فاقِد للمركز الاجتماعي وللهوية والمُستقبل
جالِسًاكان جالِسًا لِمُدَّةٍ طويلة وكان بقي جالساً هناك لولا مرور يسوع في حياته. نوعية الفعل اليونانيّ تَدُلّ على الجمود والثَبَات وهذا قبلَ أن يَلتَقي بيسوع المسيح. بعد وصول يسوع المسيح تَغَيَّرت نوعِيَّة الافعال: "ألقَى رِداءَهُ وقام وجاء" هناك إنتِقال مِن حالَة الجُمود الذي كان يَعيش فيه الاعمى إلى حالة الحَرَكة، إنتِقال من حالة الانسان المُهَمَّش إلى حالَة الانسان الذي وَجَدَ هَوِيَّتَهُ، وَجَدَ الطريق الذي يجِب أن يَسْلُكَها وهي طريق يسوع المسيح
هذا النَصّ هو نَصّ رابِط بين مرحلة ومرحلة أُخرى أو بين قِسم من الانجيل وقِسم آخَر أو يُسَمَّى أيضًا النص الجِسر. يُمَهِّد مرقس من خلال هذا النص للاحداث التي سَتَتِمّ لاحِقًا بطريقة رَمْزِيَّة، من هنا الاختلاف بين هذه المُعْجِزة وسَائِرِ المُعجِزات. في هذه المُعْجِزة نَجِد إنتقال من العَمَى إلى الرؤيا تَحقيقًا لِنُبُوءة أشِعيا ("في تلك الايام عندما يأتي المسيح العُميُ يُبصِرون والاعرج يَقفِزُ كالأيِّل). استعملَ مرقس الفعل نَفْسُه: فَوَثَبَ وَرَكَضَ عليه. هذا الانتقال من حالة العَمَى إلى حالة الرؤيا ليست مُجَرَّد حادِثة مع برتيماوس، الشعب كُلُّه قد أصبَحَ بإمكانه الانتقال من حالة عَدَم رؤيَة حَقيقة يسوع المسيح إلى حالة رؤية يسوع المسيح الحقيقي ابن داود بالصورة التي يجب عليهم أن يَروه فيها وليس حسب تَصَوُّرِهِم. يسوع المسيح ليس القائد العسكري الذي أتى لكي يُبيد الرومانيين وليس صانِعِ المُعْجِزات فقط إنما هو يسوع المسيح تتمة نُبُوءات العهد القديم

رَمَى رِداءَه 
الرِداء لدى الشَحاذ هو كُلّ ما يَمْلِكُ، ليس فقط من الناحية الماديّة انما أيضا من ناحية المَقَام والمَركَز الاجتِماعي. الرِداء يُظهِر مَقام الانسان ويُظهِر أن لديه هوية رغم فَقرِه. بتركه ردائه، ترك الأعمى كلّ شيء في سبيل إتّباع يسوع المسيح. وفي الحادِثة التي تلي شِفاءِ الاعمى، أي رواية دخول يسوع الى أورشليم, نجد العمل ذاته يتكرّر: رمى الناس رِداءَهم على الطريق أمام يسوع. صَرَخَ الاعمى يا ابن داود ارحمني وصَرَخَ الشعب مُبارك المسيح ابن داود، هوشعنا يا رَبّ خَلِّصْنا.

وتَبِعَ يسوع في الطريق 
السير خلف يعني التتلمذ، سارَ الأعمى البصير خَلفَ يسوع في الطريق، تماماً كما فعل بطرس حين وجّه يسوع الدعوة نفسها اليه: قال له سِرْ خَلْفي. لقد صار الأعمى المشفيّ تلميذاً وبدأ يسير على الطريق التي سبقة بطرس في خطّها. هذه الطريق هي طريق اعتناق مَنْطِق يسوع المسيح والتَتَلْمُذ له والانطِلاق نحو أورَشليم إلى الموت والقِيامة، إنها دَعوة التلميذ المسيحي أن يسير خَلفَ يسوع المسيح نحو الموت والقيامة. هذا الانجيل كُتِبَ إلى جَماعة روما المُتَأَلِّمَة من الاضطهاد، وكان الكثير منهم يَجحدون الإيمان بسبب الاضطِهاد وخوفًا من الموت. وهنا يُعلِن مرقس لكنيسة روما أن التلميذ الحقيقي هو الذي يَختار السير وراء يسوع المسيح وصولاً إلى الموت

التأمّل
إن اختيار الكنيسة المارونيّة لإنجيل شفاء الأعمى في هذا الأحد السابق لأحد الشعانين هو ليس من قبيل الصدفة، فمسيرة الصوم هي مسيرة تعليميّة، وأناجيل الصوم، ولا سيّما أناجيل الآحاد تقودنا في هذه المسيرة نحو لقاء المسيح القائم من بين الأموات. فإذا أخذنا أناجيل الآحاد منذ مدخل اليوم ماذا نجد؟ 
-
أحد مدخل الصوم، عرس قانا الجليل، هو إعتلان يسوع وإيمان التلاميذ، أي بدء مسيرة التتلمذ على هدي صوت مريم: إفعلوا ما يأمركم به
-
الأحد الثاني من زمن الصوم، أحد شفاء الأبرص: هي بدء مسيرة التنقّي، البعيد عن المجتمع ينال شفاءه ويعود. هو الشفاء الإجتماعي والمصالحة مع العالم
-
الأحد الثالث هو أحد شفاء المنزوفة: الإمرأة النازفة التي كانت تحيا ألم حقيقتها بعيدة عن الناس، نالت الشفاء الداخليّ جاءت الى يسوع تلمس من الخلف رداءه، خوفاً من أن تنجّس ابن الله بعدم طهارتها، فجلبها يسوع الى الأمام، وقفت امامه، نظرت في عينيه وأعلنت أمام الجميع ما جرى لها. لم تعد ترى في ذاتها مصدر شقاء الآخرين، لم تعد تحيا خجل حقيقتها. هي المصالحة مع الذات
-
الأحد الرابع هو أحد الأبن الشاطر، هي حقيقة الإنسان البعيد عن الله يفتّش عن حريّته فيجد الشقاء في الخطيئة، ويعود الى حضن الآب تائباً. هو الأحد الّذي ينتصف الصوم، هو أحد التوبة والتوبة محوريّة في الصوم. هي المصالحة مع الله
-
الأحد الخامس هو أحد شفاء الكسيح، نال الشفاء بسبب إيمان الجماعة التي تحمله نحو السيّد. هو خلاص الرّب يتجلّى عبر الكنيسة، هي المصالحة مع الكنيسة، مع جماعة الإخوة
لأحد الأخير هو الأحد الّذي يفتتح أسبوع الشعانين، هو أحد شفاء الأعمى، هي نهاية رحلة التتلمذ، التلاميذ أعجبوا بيسوع مصدر الفرح في قانا وبدأوا مسيرة التتلمذ، مسيرة الشفاء والمصالحة مع العالم والمجتمع، المصالحة مع الذات، المصالحة مع الله، الإلتزام في الكنيسة. في ختام هذه المسيرة تتفتّح أعين التلاميذ، يصبحوا قادرين على فهم حقيقة معلّمهم. هم مدعوّون الى الدخول معه الى أورشليم عالمين أنّه ملك الكون والمخلّص الأوحد، لا القائد الزمنّي الّذي سوف يهتف له الشعب الّذي لم يفهم حقيقته. هذا هو صومنا، إنتقال من حقيقة يسوع صانع المعجزات، الى معرفة يسوع الفادي المتألّم حبّاً بنا
إيمان الإعمى وعقلانيّة الجموع: كم هو مثير للإهتمام أن "الجمع الكبير" الّذي كان يتبع يسوع ويهتف له قد "أخذ ينتهر الأعمى ليسكت". ما سبب اتّباع الجموع ليسوع إن لم يؤمنوا بقدرته على تبديل واقع الحياة؟ لقد آمن الأعمى بقدرة يسوع على نقله من عن جانب الطريق وإعادته الى وسط الحياة، من ظلمة العمى الداخلي الى نور لقاء الرّب في حياته
إن هذه الجماهير تشبه الى حدّ كبير جماهير المؤمنين بيسوع، يتبعون يسوع، اعتادوا عليه، صار في حياتهم أمراً روتينيّاً، أو يتبعونه لأنّهم يريدون أمراً ما، أو لشعور بحماية أو لخوف أو وسواس، إنّما في عمق أعماقهم لا يؤمنون بأن الرّب قادر على تبديل واقعهم وواقع الآخرين، ينتهرون من يؤمن بقدرة يسوع ويسكتونه بطرق شتّى: بالقمع، بالسخرية، بالتهميش أو بالشفقة أحياناً. لقد اعتادت جموعنا على يسوع في حياتنا اليوميّة الى حدّ جعلنا ننسى جمال لقاءه، ونفقد الإيمان بقدرته. نقدّم ضمانات عقلانيّتنا على ثقة الإيمان، نخاف أن نبدو حمقى، نخاف أن نصطدم بواقع عدم الوصول الى مبتغانا، نخشى الاّ يجيب يسوع سؤلنا، فلا نخاطر، لا نطلب، نبقى في خط المؤمنين التقليديّين، أي في خطّ من حصر إيمانه بيسوع في مجرّد تطبيق للوصايا وإتمام الواجبات، دون شوق وحبّ ورغبة. لقد كان هذا الأعمى البصيرَ الوحيدَ بين الجموع، كلّهم كانوا عمياناً أظلم قلبهم وخفتت ثقتهم ونسيوا جمال المغامرة مع يسوع. هو هتف مسبقاً نشيد الدخول الى اورشليم، صرخ: هوشعنا، أي خلّصني، هتف "يا ابن داود"، وألقى رداءه: أعمال سوف نراها تتكرّر بعد أيّام قليلة على يدّ الجموع التي تعلّمت من هذا الأعمى شجاعة إعلان الإيمان
لقد خطّ هذا الأعمى مسيرة إيمان على كلّ واحد منّا أن يسيرها
-
الإيمان هي حالة انطلاق من الهامش الى عمق الوجود، ومن حالة الظلمة الى حالة النور. لقد بدأ الأعمى بالسماع لا بالمعاينة، يسمع عن يسوع، يخبره الآخرون عن قدرته، وهو باقٍ على هامش الطريق. في ذلك اليوم مرّ يسوع من هناك، عابراً المدينة، فاغتنم الأعمى فرصته الوحيدة. الإيمان يدعونا الى تغيير حالة لا الى اعتناق عقيدة أو ايديولوجيا، هو تغيير حالة وجودنا الإنساني من حالة الثبات في الروتين، من حالة البقاء على هامش طريق الحياة، الى حالة الإنسان "الواثب" مثل الأعمى، يلقى عنه رداء عاداته، ومهنته، رداء حياته الفارغة وينطلق وراء يسوع، معلناً إيّاه المخلّص وطالباً منه الرحمة
-
الإيمان هو صرخة تنطلق نحو شخص لا نراه، إنّما نعلم أنّه موجود وأنّه قادر على تغيير واقع حياتنا. الأعمى لم ير يسوع بنور العين الجسديّة، إنّما آمن به، وبدافع من رجائه العميق وثقته بقدرة الرّب صرخ له: إريد أن أبصر. هي حقيقة إيماننا، لا ننطلق من المعاينة لنفهم، بل نؤمن بإله سمعنا عنه كما سمع ذاك الأعمى عن قدرته، نعلم أنّه يدعونا فنثب وراءه، نسمع صوته، نعلنه مخلّصاً، فنبصر. مسيرة الإيمان تنطلق من دوماً من عدم المعاينة الى المعاينة، فلو كنّا نبصر ما نؤمن به لما كان إيماناً، لأضحى ضمانة ملموسة وحسيّة. لا يمكننا أن نفتّش عن الضمانات الحسيّة الملموسة لإيماننا، بل نثق ونؤمن، وعندها نبصر، لا بعين الجسد أو العقل، إنّما بواسطة الحبّ الّذي يبادلنا إياه الرّب. نلمس عمله في حياتنا، نختبر حضوره معنا، ينتشلنا مروره من هامش عبثية الحياة ليضعنا في صميم العلاقة الإلهيّة، يصبح لوجودنا معنى بدخولنا في علاقة مع السيّد
-
العوائق التي كادت تمنع الأعمى من الوصول الى يسوع هي نفسها تمنعنا من التعرّف الى يسوع يمرّ في حياتنا ويدعونا للسير وراءه على طريق أورشليم نحو الجلجلة والقيامة. لقد أخذ الجمع ينتهره ليسكت، وينتهرنا عالم اليوم لنسكت نحن أيضاً، يخنق منطق العصر فينا الرجاء، يغلقنا على منطق العنف والقوّة والحرب، أو على منطق المادّة والإستهلاك، أو على السعي الى لذّة عابرة تنتهي فنبدأ بالتفتيش عن أخرى. العالم ينتهرنا لأن منطق الإيمان هو لا منطق بالنسبة إليه. الإيمان هو منطق الضعفاء والحمقى، أمّا الأقوياء بأفكار قلوبهم فيفتّشون عن ضمانات حسيّة. والعائق الآخر كان يمكن أن يكون الثوب الّذي كان يملكه، مُلكه الأوحد. لو تعلّق به لكان خسر يسوع، لو خاف من خسارة من يملك لكان مرّ يسوع وعبر، لو خاف من فقدان المكان على قارعة الطريق أو من رمي الثوب والركض خلف يسوع، لما كان قد شُفي. هي عوائق إيماننا نحن أيضاً: كم يخيفنا منطق الترك والتغيير؟ كم نرغب بالثبات ولو كان هذا الثبات لا يلذّ لنا. دعوة الإيمان هي الترك والإنطلاق خلف يسوع. ترك أفكارنا الخاطئة، أو عاداتنا السيئة، أو خطايانا اليوميّة، أو منطقنا المغلوط. ترك كبريائنا أو حسدنا أو حقدنا أو كسلنا. اتّباع المسيح يستلزم كياناً قادراً على الوثب كما وثب ذلك الأعمى، كياناً غير خائف من التغيير، فإن لم نتخلَّ عن ثقل ما نملك، لا يمكننا التتلمذ ليسوع
-
لقد أجاب يسوع على صراخ الأعمى فناداه. إن ديناميّة الإيمان تنطلق من نعمة الرّب، من مروره في حياتنا، هو دوماً صاحب المبادرة، مبادرةٌ تبقى عقيمة إن لم يقبلها الإنسان ويستجيب لها. مرور يسوع يجعلنا "ننهض"، نقوم من رتابة واقعنا، ننهض من تحت أثقال حياتنا، صوته يجعلنا نقلب معادلات حياتنا، نتحوّل من أعمى القى بذاته على هامش طريق الحياة الى كائن واثب وثبة الإيمان، كائن شجاع يترك كلّ ما يملك ليتبع يسوع، ليتتلمذ له. الجموع التي كانت تنهره ليصرخ قد بدّلت منطقها أيضاً، صارت صوتَ يسوع نفسه، تحوّلت بفضل الرّب من حاجز أمام الأعمى الى وسيلة تساعده للوصول الى السيّد: "تشجّع وقم فهو يدعوك"، السبب الأوّل هو دعوة الرّب، دعوة تحتاج لشجاعة في سبيل إتمامها، شجاعة في المغامرة، فيسوع لا يعطي ضمانات ملموسة، يطلب ثقة الصداقة، يطلب حريّة القلب وشجاعة الحبّ. عندها فقط يمكن لكياننا أن يقوم ويتتلمذ، ودون الشجاعة يبقى كياننا ميتاً كجثة تتخبّط في بحر حياة دون هدف ودون رجاء
-
الإيمان هو لقاء خاصّ بيسوع المسيح، لم يعد مجرّد سماع عنه، بل هو اكتساب للرؤية من أجل معاينة الرّب وجهاً لوجه: النعمة الحقيقيّة ليست اكتساب النظر، بل هي رؤية يسوع، اكتساب النظر ما هو الاّ وسيلة، والنعمة الحقيقيّة هي رؤية يسوع الّذي سمعنا عنه كثيراً من الآخرين. اكتساب النظر هو الإيمان، والإيمان وسيلة تنتهي مع انتهاء حياتنا، وسيلة لا نحتاجها في العالم الآخر فسوف نعاين الرّب وجهاً لوجه. ما يبقى هناك هو الحبّ، هو النظر في عينيّ يسوع المسيح دون خجل. ما تمّ مع الأعمى هنا ما هو إلاّ استباق بسيط لما هو مدعوّ اليه في علاقة أبديّة لا تنتهي

نتيجة الإيمان التتلمذ، فلا يمكننا أن نسمح أن يكون لقاؤنا بالرّب عقيماً، إيماننا هو فعل التزام بالطريق التي يسير عليها السيّد، وهي ليست سهلة. قام وتبعه في الطريق، الطريق التي سوف تقوده الى الجلجلة، الى ألم الصليب، الى ظلمة القبر، والى القيامة. درب إيماننا وتتلمذنا ليسوع لا بدّ أن تنطوي على هذه كلّها. لا بدّ أن يكون إيماننا سبب ألم لنا، يتطلّب تضحيات وأعمال بطولة، يمنعنا من التفتيش عن الطريق الأسهل، ويجعلنا نسعى الى الخير رغم التضحيات الكبيرة. إيماننا يقودنا الى طريق الجلجلة، الى سخرية الآخرين كما سخر الجنود من يسوع وضربوه بقصبة على رأسه كعبد حقير. قد نصل في إيماننا الى ظلمة القبر، كلّ شيء حالك مظلم حولنا، لا نجد أجوبة على اسئلة كثيرة نطرحها، نظن أنفسنا وحدنا دون إله يقودنا ويحمينا، هي ظلمة الإيمان تشابه ظلام القبر حيث يرقد السيّد. إنّما لا بدّ أن يسطع نور القيامة، لا بدّ أن نخرج من ظلمة قبرنا، إذ تستطع علينا أنوار قيامة. السيّد.

.